رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

كثيراً ما نخطئ حين نظن أن قيمة الحياة تُقاس بعدد السنوات التي نقضيها فوق هذا الكوكب، أو بحجم الثروات التي نكدسها في خزائننا، الحقيقة التي تغفل عنها النفوس في زحام الركض اليومي هي أن الحياة "لحظة نوعية" وليست "تراكماً زمنياً"، القيمة الحقيقية تكمن في ذلك الخيط الرفيع الذي يربط بين ما نحن عليه وبين ما نتركه خلفنا في صدور الآخرين؛ فالمرء منا لا يعيش بمقدار ما يتنفس، بل بمقدار ما يمنح من نبضٍ ومعنى لمن حوله.


لقد اعتدنا أن نربط قيمتنا بالإنجازات المادية، وبالمراكز التي نعتليها، متناسين أن كل هذه القشور تتساقط عند أول عاصفة من عواصف الفقد أو المرض، القيمة الحقيقية للحياة تنجلي في تلك اللحظات الصامتة التي نختار فيها الصدق على الكذب، والرحمة على القسوة، والعطاء في عز الاحتياج، إنها تبدأ حين ندرك أننا لسنا مجرد "مستهلكين" للأيام، بل نحن "مبدعون" لها، كل صباح يشرق هو فرصة لإعادة كتابة الحكاية، ليس بإضافة أرقام جديدة للعمر، بل بإضافة عمقٍ جديد للروح.


الخطأ الفادح الذي يسلب الحياة قيمتها هو "العيش بالنيابة"؛ أن نتبنى أحلاماً لا تشبهنا، ونلبس وجوهاً لا تمثلنا، ونطارد أهدافاً وضعها لنا الآخرون، هنا نفقد الجوهر، ونصبح مجرد أصداء في وادٍ سحيق، القيمة الحقيقية تولد من "الاستحقاق النفسي"، حين نتصالح مع ندوبنا ونرى فيها أوسمة صمود، وحين نفهم أن لكل عثرة سقطنا فيها حكمة كانت تهدف لصقل معدننا لا لكسره، الحياة ثمينة لأنها غير متكررة، ولأن كل ثانية تمضي هي قطعة من لحمنا ودمنا لن تعود أبداً، فكيف نهدر هذا الثمن الباهظ في صراعات تافهة أو في كراهية تأكل أخضر القلب ويابسه؟


إننا نحتاج إلى ثورة على المفاهيم الباهتة التي جعلت من الحياة مجرد "بقاء"، القيمة الحقيقية هي في "الدهشة"، في تلك القدرة على رؤية المعجزة في شروق شمس، أو في بسمة طفل، أو في مواساة إنسان مكسور، نحن عابرون، نعم، ولكن شتان بين عابر يمرُّ كالغريب لا يترك إلا ريحاً باردة، وبين عابر يمرُّ كالمطر، يحيي موات القلوب ويزرع الأمل حيثما حلَّ، القيمة هي في "الأثر"؛ ذلك النور الذي يظل ساطعاً في غيابك، وتلك الكلمة التي تتردد في خلد شخص ما فتمنحه القوة ليواجه انكساراته.


يجب أن نسأل أنفسنا بصدق: لو توقفت الساعة الآن، ماذا ستقول عنا الأماكن؟ هل كنا إضافة لهذا العالم أم عبئاً عليه؟ القيمة لا تكمن في القوة التي تفرضها على الناس، بل في السكينة التي تنشرها بينهم، إنها في الشجاعة التي تجعلنا نعتذر حين نخطئ، وفي الرقة التي تجعلنا نتغافل عن زلات من نحب، الحياة مدرسة كبرى، وقيمتها ليست في الدرجات التي نحصل عليها، بل في "الإنسانية" التي نحافظ عليها رغم كل القسوة التي قد نواجهها.


وفي نهاية المطاف، لن يبقى منا سوى ما قدمناه بصدق، فاجعلوا لحياتكم قيمة لا تطالها يد النسيان، وعيشوا بروح المقاتل الذي يعرف متى يضع سيفه ليربت على كتف متعب، لا تسمحوا للأيام أن تمرَّ باهتة بلا لون، بل اصبغوها بمداد الصدق والمحبة، فالقيمة الحقيقية ليست في طول البقاء، بل في "عظمة الأثر" و"طهارة المسيرة"، وفي أن ترحل عن هذا العالم وأنت تعلم أنك جعلت منه مكاناً أفضل، ولو بابتسامة واحدة كانت هي طوق النجاة لغريق في بحر اليأس.
Show quoted text

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء