رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حين تنزف الدولة… ويختل ميزان الإقليم… ويقترب الخطر من البحر الأحمر

ساعاتٌ قليلة تفصل السودان عن الدخول في عامه الرابع من الحرب، بينما العالم من حوله يغلي على إيقاع صراعات كبرى تعيد رسم خرائط النفوذ.
في الإقليم الأوسع، تتصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بما يحمله ذلك من تهديدات مفتوحة تتجاوز حدود الاشتباك التقليدي. 
وفي خضم هذا التوتر الدولي المحتدم، يتراجع السودان إلى هامش الاهتمام العالمي، رغم أنه يقف على حافة انهيار شامل، كأن الحرب المنسية في الداخل تتقاطع بصمت مع صراعات كبرى في الخارج، حيث تتغير الأولويات وتُعاد صياغة التحالفات، فـ بينما تتجه أنظار العالم إلى بؤر اشتعال أخرى، يدخل السودان عاماً جديدا من النزيف… بأقل قدر من الانتباه، وأكثر قدر من المخاطر.

 

 أزمة مركبة

 

تحول الصراع إلى أزمة مركبة ذات أبعاد داخلية وإقليمية عميقة، ألقت بظلالها على أمن القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وأعادت طرح أسئلة الدولة، والسيادة، وإمكانيات إعادة البناء. لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متنازعة على السلطة، بل تحولت -بعد ثلاث سنوات- إلى واحدة من أعقد الأزمات في العالم تجلت في دولة تتآكل من الداخل، وإقليم يترنح، وممر بحري عالمي يدخل دائرة الخطر. فالسودان اليوم ليس فقط ساحة حرب، بل مركز ثقل لأزمة إقليمية مفتوحة، تتقاطع فيها الجغرافيا مع السياسة، والأمن مع الاقتصاد، والداخل مع الخارج.


بلد يُفرغ من سكانه


إذا كانت الحروب تُقاس بنتائجها، فإن ما جرى في السودان يقترب من تعريف "الانهيار الشامل"حيث تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن ما بين 13.6 إلى 14 مليون سوداني أُجبروا على النزوح داخلياً أو اللجوء خارج البلاد، ما يجعلها أكبر أزمة نزوح في العالم حاليا.  وبحسب المنظمة الدولية للهجرة، فإن العدد الإجمالي للنازحين عبر مراحل الحرب تجاوز 15 مليون شخص ، هذه ليست مجرد أرقام، بل تعني أن نحو ثلث السكان خرجوا من بيوتهم خلال أقل من ثلاث سنوات ، أما من بقوا، فليسوا أفضل حالاً  هناك أكثر من 33 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية، أي نحو ثلثي السكان و أكثر من 21 مليوناً يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي  مع انهيار واسع للنظام الصحي، وانتشار الأمراض نتيجة تدهور خدمات المياه والصرف الصحي، ولعل المؤشر الأخطر أن السودان شكل أكبر أزمة نزوح للأطفال في العالم، مع ملايين الأطفال خارج التعليم، في جيل مهدد بالضياع الكامل. فعلياً أفرزت هذه الحرب واقعاً مأساوياً غير مسبوق في تاريخ السودان الحديث.

 

توقفت سلاسل الإمداد


اقتصادياُ، انهار جزء كبير من البنية الإنتاجية، وتوقفت سلاسل الإمداد، وارتفعت معدلات الفقر والتضخم بصورة حادة. أما اجتماعياً -وهو الأخطر- فقد أدت الحرب إلى أكبر موجة نزوح داخلي ولجوء خارجي، مع تفكك النسيج الاجتماعي وتصاعد خطاب الكراهية والانتقام، وأنتجت تحول النوعي في طبيعة العنف؛ إذ لم يعد الصراع ذا طابع سياسي تفاوضي، بل انزلق في كثير من مناطقه إلى أنماط صراعات أهلية، تغذيها الهويات المحلية والسلاح المنفلت، وهو ما يهدد بإعادة إنتاج نماذج "الدولة الفاشلة" أو "الدولة المجزأة".
بهذا المعنى، والوقائع الصادمة، لم تعد الحرب في السودان مجرد صراع مسلح، بل عملية تفكيك بطيئة للدولة والمجتمع. الشاهد أن الحرب لم تبقَ داخل الحدود السودانية، بل امتدت آثارها إلى محيطها الإقليمي، خاصة في القرن الإفريقي، الذي يعاني أصلًا من هشاشة بنيوية وصراعات متداخلة.


جوار في مرمى التداعيات


في خريطة التأثيرات، تبرز مصر كأحد أكثر الأطراف تأثراً بالحرب، رغم أنها ليست طرفاً فيها. فوفق تقديرات دولية، استقبلت مصر وحدها ما يقارب 1.5 مليون لاجئ سوداني، لتكون الوجهة الأكبر للنازحين خارج البلاد. هذا التدفق الكبير خلق ضغطاً متزايداً على الخدمات، من الصحة إلى التعليم وسوق العمل. لكن المسألة بالنسبة للقاهرة لا تتوقف عند البعد الإنساني فقط، فالسودان يمثل عمق استراتيجي لمصر، و أي انفلات أمني قد يفتح الباب لتهريب السلاح ومشكلات أخرى عبر الحدود، بالإضافة إلى ارتباط الأزمة بملف مياه النيل وتوازناته مع إثيوبيا. لذلك، فإن استقرار السودان بالنسبة لمصر ليس خياراً دبلوماسياً، بل ضرورة أمن قومي مباشر.

 

أعادت تشكيل بيئة القرن الإفريقي


لم تقف تداعيات الحرب عند حدود السودان، بل أعادت تشكيل بيئة القرن الإفريقي بأكملها، ففي تشاد، يعيش أكثر من مليون لاجئ سوداني في ظروف إنسانية قاسية، وسط نقص حاد في التمويل والخدمات . وفي جنوب السودان، أدى الاضطراب إلى تهديد خطوط النفط والتجارة، وهو ما ينعكس مباشرة على اقتصاد الدولة الهش. أما إثيوبيا وإريتريا، فتنظران إلى الحرب من زاوية أمنية، مع مخاوف من تسرب السلاح والمقاتلين عبر الحدود، وهو ما دفع أسمرا و أديس أبابا نحو إتباع ترتيبات الأحزمة الأمنية خارج حدودهما قدر المستطاع، وفي الشمال الغربي، تظل ليبيا امتداداً طبيعياً لاقتصاد الحرب، حيث تتقاطع شبكات التهريب والسلاح وتفويج المقاتلين.. بهذا الشكل، تحولت الحرب السودانية إلى مُصدّر للفوضى، يعيد رسم خرائط النفوذ في الإقليم.


البحر الأحمر.. الجغرافيا التي تضاعف الخطر


تكمن خطورة السودان في أنه ليس دولة داخلية، بل يمتد على ساحل استراتيجي يطل على البحر الأحمر، أحد أهم ممرات التجارة العالمية، ومع ضعف الدولة، برزت عدة مؤشرات مقلقة مثل تراجع السيطرة المركزية على السواحل وتنامي تهريب الذهب والسلاح والبشر وتصاعد التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ البحري.
في سياق إقليمي متوتر أصلاً، من اليمن إلى القرن الإفريقي، فإن أي فراغ أمني في السودان يمكن أن يتحول إلى ثغرة استراتيجية تهدد الملاحة الدولية.
الحل الممكن مع كثرة المبادرات، لا تزال الحرب مستمرة، وهو ما يعكس تعقيداً حقيقياً في الأزمة فالأطراف المتحاربة لا تزال تراهن على الحسم العسكري، وضعف القوى المدنية وانقسامها، بالإضافة لتعدد المبادرات الدولية وغياب التنسيق الفعّال، وتضارب مصالح القوى الإقليمية، النتيجة أن العملية السياسية ظلت تدور في حلقة مفرغة، بينما تتوسع رقعة الحرب على الأرض.

 

تعريف السلطة بعيداً عن السلاح


و رغم قتامة المشهد، لا يزال هناك مسار ممكن - وإن كان صعباً وفق حطوات وقف إطلاق نار حقيقي بضمانات دولية، وعملية سياسية شاملة تعيد تعريف السلطة بعيداً عن السلاح، وحل المليشيات، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس وطنية، وإشراك القوى المدنية بشكل فعّال، و ربط الحل الداخلي بترتيبات إقليمية، خاصة في البحر الأحمر.

 

كم سيدفع السودان


بعد ثلاث سنوات، لم تعد الحرب في السودان شأناً داخلياً، إنها أزمة تضرب وتضغط على دول الجوار، وتهدد استقرار البحر الأحمر، يقف السودان اليوم عند مفترق طرق إما أن يتحول إلى ساحة صراع دائم، أو أن ينجح -بصعوبة- في استعادة الدولة. 
لكن حتى ذلك الحين، سيبقى السؤال مفتوحاً، كم سيدفع السودان… وكم سيدفع الإقليم… قبل أن تتوقف هذه الحرب؟... الحقيقة الأوضح هي أن كلفة استمرار الحرب أصبحت أكبر من كلفة إنهائها، ليس فقط على السودان، بل على الإقليم بأكمله، والمخرج الاّمن هو تدريب السودانيين على حماية بلدهم.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء