الخليج أمام الاختبار الحقيقي: هل سيتجه مجلس التعاون الخليجي إلى صيغة أقوى؟
في ليلة 28 فبراير الماضي، تحولت سماء الخليج إلى لوحة من الألوان الأرجوانية والدخان، لم يكن إحتفالا بألعاب النارية كما إعتاد الخليجيون، بل كان مئات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الإيرانية، انطلقت في موجة واحدة غير مسبوقة، لتضرب قلب المنشآت النفطية والموانئ والمحطات الحيوية في السعودية والإمارات والبحرين وقطر.
لم تكن مجرد حرب على إيران، كانت صدمة وجودية هزت أركان «مجلس التعاون الخليجي» الذي ظل لأكثر من أربعة عقود يعتمد على ازدهار اقتصادي وتنويع تدريجي، دون أن يبني درعاً أمنياً مشتركاً.
هجمات متكررة

وجهت إيران أكثر من 85% من صواريخها وطائراتها المسيرة نحو أراضي دول المجلس، مستهدفة المنشآت النفطية، الموانئ، محطات تحلية المياه، والبنى التحتية الحيوية في الإمارات والسعودية وغيرهما.
أدى إغلاق مضيق هرمز مؤقتاً، والهجمات المتكررة، إلى اضطرابات اقتصادية حادة، مع توقعات بارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 120 دولاراً للبرميل، وخسائر تصل إلى عشرات المليارات شهرياً لاقتصادات الخليج.
رغم الهدنة المؤقتة الحالية، أثبتت الأزمة أن النموذج الخليجي التقليدي – الذي اعتمد على الازدهار الاقتصادي والتنويع دون تكامل أمني عميق – أصبح غير كافٍ أمام التهديدات غير المتكافئة.
تماسك نسبي أمام التحديات
أظهر مجلس التعاون الخليجي (تأسس 1981) تماسكاً دبلوماسياً في الأزمة، من خلال اجتماعات طارئة لوزراء الخارجية وإدانة جماعية للهجمات الإيرانية، مع التأكيد على "الحق في الرد الجماعي".
لكن الاختلافات الداخلية بقيت قائمة، عُمان وقطر ركزتا على الوساطة الدبلوماسية، بينما عززت السعودية والإمارات التنسيق العسكري مع الولايات المتحدة وإسرائيل (في حالات معينة)، لم يصل التعاون إلى مستوى "الدفاع المشترك" الفعال رغم اتفاقية الدفاع المشترك لعام 2000.
اقتصادياً، نجحت دول المجلس في امتصاص الصدمة الأولية بفضل الاحتياطيات المالية والتنويع (مثل مشاريع الطاقة المتجددة والسياحة)، لكن الحرب أبرزت هشاشة الاعتماد على مضيق هرمز وقلة التنسيق في سلاسل الإمداد.
الأمن أولوية قبل الاقتصاد
كشفت الحرب ثلاث ثغرات رئيسية، الاعتماد المفرط على الضمانات الخارجية: القواعد الأمريكية أصبحت أهدافاً، والدعم الأمريكي لم يمنع الضربات الإيرانية المباشرة.
ضعف التكامل العسكري بالرغم الرادارات المشتركة والدفاعات الجوية، غابت القيادة الموحدة والإنتاج المشترك للأسلحة.
التهديدات غير التقليدية مثل الطائرات المسيرة الرخيصة، الهجمات السيبرانية، والوكلاء أثبتت أن "الثروة ليست استراتيجية"، كما يقول المحلل موفق حرب.
يؤكد تقرير مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة أن الأمن الخليجي يرتكز الآن على ثلاث ركائز: تعزيز القدرات الوطنية، تعميق التعاون الخليجي (خاصة اتفاقية 2000)، وتعزيز الشراكات الدولية دون الاعتماد الكلي عليها.
لماذا يجب إعادة هندسة المجلس؟
الصيغة الحالية لمجلس التعاون والتي تركز على التنسيق الاقتصادي والدبلوماسي دون اتحاد سياسي أو عسكري كامل، لم تعد تلبي متطلبات المرحلة ما بعد الحرب.
بسبب التغير في طبيعة التهديد، حيث إيران الضعيفة أو المفككة (سيناريوهات محتملة) قد تؤدي إلى فوضى إقليمية، بينما إيران "المتماسكة المتشددة" ستستمر في حرب الاستنزاف. يتطلب ذلك ردعاً ذاتياً مستقلًا.
أما الكلفة الاقتصادية فالخسائر الناتجة عن إغلاق المضيق وارتفاع تكاليف التأمين تفرض تسريع مشاريع مثل خطوط الأنابيب البديلة ومشروع سكة حديد الخليج.
الفرصة التاريخية: الحرب أجبرت الدول الست على تنسيق غير مسبوق، مما يفتح الباب لـ"مجلس تعاوني أكثر تماسكاً" بدلاً من الوضع الراهن أو الانقسام.
يقول تقرير صدر عن مجلة "المجلة" السعودية "تفرض الضرورة الجيوسياسية على دول الخليج تبني خيارات فورية... تسريع وتيرة التكامل العسكري... لتشكيل منظومة ردع ذاتي مستقلة".
نحو تكامل استراتيجي شامل
بناءً على التحليلات المتخصصة، يمكن أن تشمل الصيغة الجديدة ما يلي:
منظومة دفاعية موحدة: قيادة مشتركة للدفاع الجوي، إنتاج محلي للأسلحة المضادة للمسيرات، وصندوق تمويل مشترك.
تكامل اقتصادي-استراتيجي: شبكة نقل برية وبحرية بديلة عن هرمز، واتحاد جمركي أعمق، وتنسيق في الطاقة والغذاء.
هندسة أمنية إقليمية جديدة: ترتيبات أمنية لمضيق هرمز تشمل دول الخليج في أي مفاوضات مستقبلية، مع قنوات دبلوماسية مفتوحة (دور عُمان وقطر) وشراكات مع الصين وأوروبا.
تحول المجلس إلى كيان يشبه "الاتحاد الأوروبي" في الشؤون الأمنية، مع آليات ملزمة لتنفيذ الاتفاقيات.
في النهاية، الحرب على إيران لم تكن مجرد أزمة عابرة، بل كانت اختباراً وجودياً لمجلس التعاون، الخروج بصيغة جديدة – أمنية واقتصادية وسياسية – ليس خياراً بل ضرورة لضمان الاستقرار والازدهار في عالم يتسم بعدم اليقين.
دول الخليج، بثرواتها وقدراتها، قادرة على تحويل التهديد إلى فرصة لبناء "خليج قوي مستقل"، شريطة تجاوز الخلافات الداخلية والانتقال من التنسيق إلى الاتحاد الاستراتيجي.