أحمد الشهاوي: لم تعد “قراءة الجمعة” كما كانت..والرقمنة غيرت طقس التأمل|خاص
قال الشاعر أحمد الشهاوي أن صباح الجمعة لم يعد كما كان في السابق، لا لأن الزمن تغير فحسب، بل لأن الطقس الثقافي نفسه تعرض لتفكك تدريجي، أفقده كثيرًا من ملامحه الهادئة التي ارتبطت بذاكرة المثقف العربي مع الجريدة الورقية والوقت البطيء.
وأوضح في تصريحات خاصة لـ «إيجبتك»، أن يوم الجمعة كان يمثل في الوعي الثقافي لحظة خاصة، تكاد تكون طقسًا أسبوعيًا ثابتًا، حيث تفرد الجريدة على مهل، ويعاد ترتيب العلاقة بين القارئ والوقت، وتنساب رائحة الحبر كجزء من التجربة، ويتسع المجال للتأمل وكأن اليوم خُلق للقراءة لا للاستهلاك، مشيرا إلى أن هذا الطقس لم يكن مجرد عادة، بل كان بنية ثقافية كاملة تشكّل وعي القارئ، وتمنحه فرصة لإعادة التفكير في العالم عبر الورق.
من طقس القراءة إلى إيقاع التشتت
وأضاف الشهاوي أن النص في الماضي كان يُزار ولا يُقتحم، وكان القارئ يدخل إليه كما يدخل إلى مساحة تأمل خاصة، يقيم فيها كما يقيم العابد في محرابه، حيث الصمت النسبي، والتركيز، وبطء التلقي.
لكن هذا المشهد تغيّر بالكامل، إذ لم تعد القراءة مرتبطة بالورق أو بالجريدة أو بالوقت الأسبوعي، بل أصبحت متقطعة، سريعة، وموزعة بين الشاشات والتنبيهات والمحتوى المتدفق بلا توقف.
وأوضح أن يوم الجمعة نفسه لم يعد يومًا منفصلًا في وعي كثيرين، بل صار امتدادًا لبقية أيام الأسبوع، بلا لحظة انفصال حقيقية، حيث الهاتف يسبق القهوة، والتنبيهات تسبق الفكرة، وتتحول القراءة إلى مرور سريع على عناوين متزاحمة تتطلب الانتباه العابر فقط.
وأشار إلى أن المثقف الذي كان ينتقي صفحته بعناية كما ينتقي صديقًا مقرّبًا، أصبح اليوم يمر على النصوص مرور المسافر في محطة مزدحمة، لا وقت لديه للتوقف أو التحية أو التورط في القراءة العميقة.
من القارئ المتأني إلى مستهلك المعلومة
وأكد أن التحول الأخطر لا يكمن في تغير الوسيط فقط، من الورق إلى الشاشة، بل في تغير الإيقاع نفسه، حيث فرضت البيئة الرقمية سرعة غير مسبوقة على فعل التلقي، موضحا أن النصوص اليوم تُستهلك أكثر مما تُقرأ، وتُلتقط كما تُلتقط الصور السريعة، دون أثر طويل أو إقامة حقيقية داخل الفكرة.
ولفت إلى أن هذا التحول يهدد جوهر القراءة، لأن القراءة في أصلها ليست جمع معلومات، بل علاقة مركبة بين القارئ والنص، بين الفكرة وزمنها، وبين السؤال وامتداده الطبيعي في الوعي.
الوفرة الرقمية بين الانفتاح والضجيج
وأشار الشهاوي إلى أن العصر الرقمي منح المثقف مساحة أوسع بكثير مما كان متاحًا في السابق، فلم يعد أسير جريدة واحدة أو اتجاه واحد أو خطاب واحد، بل أصبح العالم كله مفتوحًا أمامه في لحظة واحدة، موضحا أن الأصوات تعددت، والرؤى تداخلت، والمصادر أصبحت بلا حدود تقريبًا، وهو ما يمثل في ظاهره ثراءً معرفيًا كبيرًا.
لكن في المقابل، أكد أن هذه الوفرة إذا لم تُدار بوعي نقدي، تتحول إلى حالة من الضجيج، تفقد فيها المعرفة قدرتها على التمايز، ويضيع فيها التركيز بين كم هائل من المحتوى المتدفق.
“الجمعة” من طقس جماعي إلى قرار فردي
وأضاف أن يوم الجمعة لم يعد بالضرورة يومًا محددًا للقراءة، بل تحول لدى كثيرين إلى يوم عادي ضمن دورة الأسبوع، بينما أصبحت القراءة فعلًا اختياريًا مرتبطًا بالقرار الفردي لا بالطقس الجماعي.
وأوضح أن القارئ المعاصر لم يعد ينتظر “جمعة جاهزة” كما كان يحدث في الماضي، بل أصبح عليه أن يصنع جمعة خاصة به، يختار فيها التوقف، ويقرر فيها الإبطاء، ويعيد فيها بناء علاقته بالنصوص بعيدًا عن ضغط الإيقاع العام، مشيرا إلى أن هذا التحول يعكس انتقالًا من الثقافة الجمعية إلى الثقافة الفردية في فعل القراءة نفسه.
القراءة كفعل مقاومة للسرعة
وأكد الشاعر الكبير أن القراءة في جوهرها ليست مجرد نشاط معرفي، بل هي فعل مقاومة حقيقي للسرعة، والتشتت، والتبديد المستمر للانتباه.
وأوضح أن التحدي الحقيقي اليوم ليس في توفر النصوص، بل في القدرة على منح النص زمنه الطبيعي، وعلى منح الذات فرصة للتركيز والتأمل دون انقطاع، مشيرا إلى أن الزمن الرقمي لا يمنع التأمل، لكنه لا يقدمه تلقائيًا، بل يضعه في موقع يحتاج إلى انتزاع واعٍ من دوامة التشتت.
بقاء الجمعة كحالة داخلية لا زمن خارجي
واختتم أحمد الشهاوي بالتأكيد على أن ما يُعرف بـ“قراءة الجمعة” لم يختفِ بالكامل، لكنه تغيّر شكله وانتقل من كونه طقسًا زمنيًا مرتبطًا بيوم محدد إلى كونه حالة داخلية يمكن استعادتها في أي وقت.
وأوضح أن هذه الحالة تقوم على البطء، والإنصات، وإعادة بناء العلاقة مع النصوص بعيدًا عن الاستهلاك السريع، بحيث تصبح القراءة فعلًا واعيًا لا مجرد مرور عابر على المحتوى.
وأكد أن الجمعة الحقيقية لم تعد يومًا في التقويم فقط، بل لحظة ذهنية يمكن أن تتكرر كلما قرر القارئ أن يقرأ بعمق، ويصغي لما بين السطور، لا لما يُقال على السطح فقط.