أدباء بلغوا العالمية.. «واسيني الأعرج» أديب حمل لغته وثقافته إلى العالم
الجزائري واسيني الأعرج اسم كبير في عالم الأدب العربي والعالمي، برز كواحد من أبرز الروائيين الذين نجحوا في العبور من المحلية إلى أفق العالمية، مستندا إلى لغة مزدوجة، وتجريب سردي، ووعي عميق بتاريخ الإنسان العربي وأسئلته المعاصرة، فهو كاتب حمل لغته وثقافته إلى العالم، لا بوصفه ناقلًا للتراث فحسب، بل بوصفه مجددًا في الشكل والرؤية.
واسيني الأعرج
يحمل اسم “واسيني” دلالة خاصة في حياة الأعرج، حيث ارتبط بحكاية شعبية ذات طابع صوفي؛ حيث رأت والدته التي كانت تنجب البنات في المنام وليًا صالحًا يدعى “سيد محمد الواسيني”، يبشرها بميلاد ذكر بشرط أن يحمل اسمه؛ ومن هنا جاءت التسمية، التي تعني في أصلها الأمازيغي “الاستقامة”، وكأنها كانت نبوءة مبكرة لمسار رجل سيشق طريقه بثبات في عالم الأدب.
ولد واسيني الأعرج عام 1954 في قرية سيدي بوجنان بمدينة تلمسان، في بيئة ريفية قريبة من الحدود المغربية، وعاش طفولته في ظل السنوات الأخيرة من الاستعمار الفرنسي للجزائر.
لم تكن تلك الطفولة مفروشه بالورود، ففي بداية حياته فقد والده مبكرًا عام 1959 بعد استشهاده في مقاومة الاحتلال، وهو ما ترك أثرا عميقًا في تكوينه النفسي والإنساني، وانعكس بعدها في كثير من أعماله الروائية.
حفظ واسيني القرآن الكريم
تلقى تعليمه الأول في الجزائر، حيث حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، واكتسب علاقة مبكرة باللغة العربية، قبل أن ينفتح على فضاءات تعليمية أوسع، و التحق بكلية الآداب واللغات في جامعة وهران، ثم شد الرحال إلى سوريا، حيث حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه من جامعة دمشق.
جمع الأعرج بين العمل الأكاديمي والإبداعي، فشغل منصب أستاذ كرسي في جامعة الجزائر، إلى جانب تدريسه في جامعة السوربون، ليؤكد حضوره في فضاءين ثقافيين مختلفين: العربي والفرنكوفوني.
كذلك يكتب الأعرج باللغتين العربية والفرنسية، وهو ما ساعد على انتشار أعماله وترجمتها إلى عدد كبير من اللغات العالمية، من بينها الإنجليزية والإسبانية والإيطالية والسويدية.
أعمال واسيني الأعرج
في أعماله، تتحول اللغة إلى فضاء للتجريب، لا إلى أداة جاهزة، ويصبح النص مفتوحًا على التأويل، متجاوزًا الحدود الصارمة بين الأنواع الأدبية، وتميز مشروعه الروائي بقدرته على كسر الأشكال التقليدية للسرد، إذ ينتمي إلى جيل جديد لا يكتفي بإعادة إنتاج القوالب القديمة، بل يسعى إلى تفكيكها وبنائها من جديد.
من أبرز أعماله أيضا: “كتاب الأمير”، “البيت الأندلسي”، “طوق الياسمين”، و“شرفات بحر الشمال”، وهي أعمال تنوّعت بين التاريخي والواقعي والرمزي، لكنها اجتمعت في قدرتها على طرح أسئلة الهوية والمنفى والذاكرة.
تجلى هذا التوجه بوضوح في روايته اللافتة الليلة السابعة بعد الألف، التي حاورت نص ألف ليلة وليلة، لا بهدف استعادته، بل لإعادة مساءلته واكتشاف بنياته العميقة، في محاولة لاستعادة التقاليد السردية العربية من منظور معاصر، أثارت هذه الرواية جدلًا نقديًا واسعًا، وأصبحت تُدرّس في عدد من الجامعات حول العالم.
جوائز
حصد واسيني الأعرج عددا كبيرا من الجوائز الأدبية، من بينها جائزة الشيخ زايد للكتاب، وجائزة كتارا للرواية العربية، إلى جانب تتويجه بـجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب عام 2023،وتم اختياره ضمن أبرز الأسماء الروائية المؤثرة في العالم العربي، وغيرها من الجوائز الكبرى.
يعتبر واسيني كاتب عالمي وله تأثير كبير، لأنها له حضور في كل المجالات، ليس فقط في الترجمة والجوائز، بل عبر تأثيره النقدي والأكاديمي، حيث تدرس أعماله في جامعات مختلفة، وتُعد نموذجًا للكتابة العربية القادرة على مخاطبة العالم دون أن تفقد جذورها.
ويظل واسيني الأعرج نموذجا للأديب العربي الذي استطاع أن يوازن بين الأصالة والتجديد، وأن يجعل من الرواية مساحة للحوار بين الثقافات، ومن خلال مشروعه المتواصل، يثبت أن الأدب العربي، حين يمتلك أدواته، قادر على بلوغ العالمية، لا بالتقليد، بل بالاختلاف الخلاق.