حرب أخرى في لبنان.. انهيار توزيع الأدوار وحزب الله ترك الدولة لمصيرها
في غرفة سرية بوزارة الخارجية الأمريكية، وقف سفيرا لبنان وإسرائيل وجهاً لوجه لأول مرة منذ عقود - لا علماء صواريخ ولا قادة ميدانيين من حزب الله - برفقة عدد من الدبلوماسيين اللبنانيين الذين يحملون أوراقا رسمية باسم الدولة فقط، في مفاوضات عادية من خلال لحظة تاريخية قررت فيها بيروت أن تلعب بدون أقوى أوراقها - حزب الله- و«توزيع الأدوار» الذي حكم لبنان لثلاثين عاماً.
شارك في المفاوضات سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض، وسفير إسرائيل يحيئيل لايتر، تحت إشراف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو.
تأتي هذه التحركات في سياق تصعيد عسكري إسرائيلي مستمر منذ مارس 2026، أسفر عن أكثر من 2000 شهيد لبناني ونزوح نحو مليون شخص، مع رفض صريح من حزب الله للمفاوضات، معتبراً إياها «خدعة» لنزع سلاحه.
هنا السؤال الجوهري: ما هي أوراق الحكومة اللبنانية (برئاسة جوزاف عون ورئاسة الحكومة نواف سلام) في هذه المفاوضات، بعد استبعاد «ورقة حزب الله» العسكرية-الإقليمية، وفشل الصيغة التقليدية لـ«توزيع الأدوار» بين الدولة والمقاومة؟
استبعاد ورقة حزب الله
منذ عقود، اعتمدت السياسة اللبنانية على «توزيع أدوار» غير مكتوب: الدولة تتولى الدبلوماسية والمؤسسات، وحزب الله يحتفظ بالبعد العسكري-الأمني (ثلاثية «الجيش والشعب والمقاومة»). هذه الصيغة سمحت للحزب بالتفاوض غير المباشر عبر وسطاء (فرنسا، أمريكا، إيران) في أعوام 1993، 1996، 2000 و2006.
اليوم، فشلت هذه الصيغة، حزب الله رفض المشاركة ودعا الحكومة إلى إلغاء المفاوضات، معتبراً أن هدفها نزع سلاحه، كما أكد الأمين العام المساعد نعيم قاسم والمسؤول السياسي وفيق صفا: «نحن غير معنيين بما يتفقون عليه».
هذا الرفض يعني استبعاد «ورقة المقاومة» كورقة تفاوضية رسمية، ويفرض على الحكومة التفاوض باسم الدولة اللبنانية فقط، مما يعمق الأزمة بين الدولة وحزب الله ويربط مصير لبنان بقرار سيادي مستقل عن طهران.
أوراق الحكومة اللبنانية
دبلوماسية محددة، تركز على «الوضوح السياسي» بدلاً من القوة العسكرية، كما وصفتها مصادر دبلوماسية لبنانية.
ورقة الشرعية الدولية والسيادية
الحكومة تتفاوض كممثل شرعي وحيد للدولة، لا كميليشيا. هذا يمنحها اعترافاً أمريكياً-إسرائيلياً صريحاً بأن «الحكومة اللبنانية، وليس حزب الله، تتحدث باسم لبنان». يسمح ذلك بفصل مسار لبنان عن المفاوضات الأمريكية-الإيرانية، ويحرم إيران من استخدام لبنان كورقة مساومة.
الجيش اللبناني كبديل أمني

الرئيس جوزاف عون أكد أن «الحل الوحيد» هو نشر الجيش اللبناني حصرياً على الحدود الجنوبية لضمان الأمن. تقترح الحكومة وقف إطلاق نار شاملاً مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي من المناطق المحتلة، مع انتشار الجيش في الجنوب كبديل عن حزب الله. هذه الورقة مدعومة أمريكياً وأوروبياً، وترتبط بمساعدات إعادة الإعمار، تقارير نيو ليبانون.
الدعم الاقتصادي-الدولي والإعمار
لبنان يعاني أزمة اقتصادية حادة. المفاوضات تفتح الباب أمام حزم مساعدات عربية ودولية (أمريكية-أوروبية) مشروطة بـ«احتكار الدولة للسلاح» وإصلاحات. إسرائيل تطالب بتفكيك نفوذ حزب الله مقابل انسحاب، مما يجعل الإعمار ورقة ضغط إيجابية للحكومة.
الفصل عن المحور الإيراني والضغط الداخلي، والمشاركة المباشرة، حيث تؤكد الحكومة استقلال قرارها عن طهران، مما يعزز موقفها أمام الرأي العام اللبناني المتعب من الحرب. بعض الأصوات الشيعية (كحركة أمل) لا تعارض صراحة، مما يخلق مساحة داخلية محدودة،
مفاوضات «تحت النار» دون أوراق قوة
رغم هذه الأوراق، تعترف مصادر دبلوماسية بأن الحكومة تدخل المفاوضات «بدون أوراق قوة تقليدية». لا تملك القدرة على تنفيذ نزع سلاح حزب الله، والمفاوضات تجري وسط قصف إسرائيلي مستمر. حزب الله يحتفظ بقدرته العسكرية ويرفض أي التزام، مما يجعل أي اتفاق هشاً. كما أن أوراق المفاوضات «لم تكتمل» بعد، ولم تشكل الحكومة «خلية تفكير وطوارئ» متكاملة.
الفشل يعني استمرار الحرب
الجولة الأولى لم تنتج وقف نار فورياً، لكنها رسمت إطاراً طويلاً لإعادة تأكيد سيادة الدولة. النجاح يعتمد على قدرة الحكومة على تحويل «الوضوح السياسي» إلى ضغط دولي حقيقي، وتجنب الفتنة الداخلية. الفشل قد يعني استمرار الحرب المفتوحة أو عودة حزب الله كلاعب وحيد.
في النهاية، أوراق الحكومة اليوم ليست في السلاح، بل في الشرعية والدبلوماسية، هل ستتمكن بيروت من تحويل هذا الضعف التاريخي إلى قوة سيادية مستدامة؟ الإجابة ستحددها الأسابيع المقبلة في واشنطن وجنوب لبنان.