بين أجراس الثورة ومآذن السلام.. حكاية الدم الذي وحّد الجزائريين
بينما تقرع أجراس الكنائس في "سيدة أفريقيا" بأعالي العاصمة الجزائر، وتتعانق مع مآذن المساجد، تبرز صورة حية لبلد استطاع عبر التاريخ أن يمزج بين هويته الإسلامية الراسخة وتعدديته الثقافية والدينية، لا يمثل المسيحيون في الجزائر مجرد "أقلية"، بل هم جزء من نسيج وطني ساهم في تحرير البلاد وبنائها، رغم الجراح التي خلفتها سنوات الإرهاب الأسود.
السلام عليكم

وفي مشهد تاريخي لم تشهده البلاد منذ استقلالها عام 1962، حطت طائرة البابا ليون الرابع عشر، في مطارهواري بومدين بقلب الجزائر العاصمة، لتبدأ زيارة تمتد لثلاثة أيام تحت شعار "السلام عليكم".
هذه الزيارة لا تعيد رسم الخارطة الدبلوماسية فحسب، بل تفتح دفاتر التاريخ الجزائري الممزوج بين التعددية الدينية، الصمود الثوري، وجراح الإرهاب، وتهدف زيارة البابا إلى تعزيز وتعميق الحوار بين العالمين الإسلامي والمسيحي، حسب فرانس 24.
إضافة إلى أنه سيسير على خطى القديس أوغسطينوس أحد مفكري الديانة المسيحية الذي ولد في مدينة سوق أهراس حاليا والذي يعد الأب الروحي لـ البابا ليون الرابع عشر.
التركيبة الحالية
المسيحية في الجزائر ليست طارئة، فهي تمتد إلى القديس أوغسطينوس (ابن طاغاست/سوق أهراس). وتتوزع التركيبة الحالية إلى:
الكنيسة الكاثوليكية: الأكثر تنظيماً وقبولاً رسمياً، وتدير معالم كـ "سيدة أفريقيا" بالجزائر و"سانتا كروز" بوهران.
الكنيسة البروتستانتية (EPA): تتركز بشكل لافت في منطقة القبائل، وهي الأكثر إثارة للجدل القانوني بسبب قضية التراخيص وإغلاق بعض دور العبادة.
مسيحيو جنوب الصحراء: يشكل الطلبة والمهاجرون الأفارقة اليوم الكتلة الحية والأكثر عدداً داخل الكنائس الجزائرية، مما أعطى المسيحية في الجزائر وجهاً "أفريقياً" خالصاً.
مسيحيون في خنادق "جبهة التحرير"

تأتي زيارة البابا لتؤكد أن المسيحية في الجزائر ليست مرادفة للاستعمار. فالتاريخ يحفظ لأسماء مسيحية انخراطها في جبهة التحرير الوطني (FLN) ضد الاحتلال الفرنسي:
فرانز فانون: الطبيب الذي شرّح سيكولوجية الاستعمار وكان صوتاً للثورة.
الأب برنييه وكاترين شولي: نماذج لمسيحيين اختاروا الجزائر وطناً وهوية، وناضلوا من أجل استقلالها.
هذا العمق التاريخي هو ما جعل الرئيس عبد المجيد تبون يقدم للبابا (خلال لقاء سابق في الفاتيكان 2025) غصن زيتون من شجرة القديس أوغسطينوس، كرمز للجذور المشتركة.
قيم التعايش وحوار الأديان
صرح سفير الجزائر لدى مصر ومندوبها الدائم لدى الجامعة العربية، محمد سفيان براح، لـ "إيجبتك"، بأن زيارة بابا الفاتيكان إلى الجزائر تُعد سابقة هي الأولى منذ استقلال البلاد عام 1962.
وأوضح براح أن أهمية هذه الزيارة للبابا ليون لا تنحصر في بعدها البروتوكولي، بل تتجاوز ذلك لتشكل لحظة رمزية في ظل سياق دولي مضطرب يتسم بتصاعد التوترات وصدام الهويات، فضلًا عن تنامي خطابات الكراهية التي توظف الدين أداة للإقصاء والصراع.
ولفت إلى أن هذه الزيارة تمثل محطة مفصلية تعيد الاعتبار لقيم التعايش والحوار بين الأديان والثقافات في عالم مأزوم فقد بوصلة قيمه الدينية والأخلاقية.
كما أضاف السفير الجزائري أن الإعلان عن الزيارة حمل منذ البداية دلالات عميقة، خاصة مع اختيار الفاتيكان شعار "السلام عليكم" عنوانًا لها، في إشارة واضحة إلى الانفتاح على العالم الإسلامي، وتأكيد إمكانية مد جسور الحوار بين الإسلام والمسيحية خارج منطق التوتر التاريخي، بما يؤسس لعلاقة تقوم على المشترك الإنساني.
ظلال الإرهاب ومآسي التسعينات
لا يمكن الحديث عن المسيحية في الجزائر دون استحضار مآسي التسعينيات، فقد وقف البابا اليوم دقيقة صمت وصلاة انفرادية ترحماً على 19 راهباً وراهبة قُتلوا خلال العشرية السوداء.
رهبان تيبحيرين (1996): اختطاف وذبح الرهبان السبعة في دير "مدية" قرب البليدة يظل الجرح الأكثر غواراً، حيث رفضوا المغادرة قائلين: "مصيرنا مرتبط بمصير جيراننا المسلمين".
تفجيرات البليدة: كانت تلك المنطقة مسرحاً لعمليات "الجماعة الإسلامية المسلحة (GIA)" التي استهدفت المسيحيين والمسلمين على حد سواء، مما صهر الفئتين في بوتقة واحدة من الألم والمقاومة ضد الإرهاب.
البابا وترامب: صراع القيم من الجزائر
تأتي الزيارة في توقيت دولي مشحون، حيث وصف البابا ليون الرابع عشر نفسه بأنه "غير خائف" من هجمات الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، الذي انتقده بشدة بسبب موقفه الرافض للحصار البحري والحرب ضد إيران. من فوق أنقاض صراعات الطاقة، دعا البابا من الجزائر إلى "نزع سلاح الكلمات" ورفض نموذج الحرب.
عودة إلى "سيدة أفريقيا"
تختتم الزيارة بقداس مهيب في كاتدرائية "سانت أوغسطين" بمدينة عنابة. إنها رسالة مفادها أن الجزائر، رغم القيود القانونية أحياناً والتحديات الأمنية السابقة، تظل بلداً قادراً على احتضان التنوع، حيث تظل جملة "صلي لأجلنا ولأجل المسلمين" المحفورة في كنيسة سيدة أفريقيا، العنوان الأبرز للوحدة الوطنية.