المنصب الحائر.. رئاسة وزراء العراق بين صعود السوداني وانحسار المالكي
تتجه الأنظار في العراق إلى سباق تشكيل الحكومة الجديدة، وسط مشهد سياسي متشابك تتداخل فيه الحسابات الداخلية مع الضغوط الإقليمية والدولية، ما يجعل حسم منصب رئاسة الوزراء مرهونا بتوازنات دقيقة لم تتبلور بعد.

انتخاب الرئيس
انتخب البرلمان العراقي نزار أميدي رئيسا للجمهورية في 11 أبريل، بعد جولات من التعطيل والخلافات، في خطوة أنهت مرحلة معقدة وفتحت الباب أمام استكمال الاستحقاقات الدستورية. وبموجب الدستور، يلتزم الرئيس بتكليف مرشح “الكتلة النيابية الأكبر عددا” بتشكيل الحكومة خلال مدة لا تتجاوز 15 يوما من تاريخ انتخابه.
وتعد هذه العملية من أكثر المراحل تعقيدا في النظام السياسي، نظرا لاشتراط حضور ثلثي أعضاء البرلمان، وهو ما يتطلب توافقا واسعا بين القوى السياسية، الأمر الذي تسبب في تأجيل جلسات الانتخاب أكثر من مرة بفعل الخلافات داخل المعسكرين الشيعي والكردي.
الإطار التنسيقي يعيد الحسابات
تشير المعطيات السياسية إلى إعادة ترتيب أولويات "الإطار التنسيقي"، في ظل تحولات فرضتها التطورات الأخيرة. وتتركز المشاورات الحالية على التوصل إلى مرشح يحظى بقبول داخلي وخارجي، مع استمرار الاجتماعات حتى نهاية المهلة الدستورية.
وتأتي هذه التحركات بالتوازي مع ضغوط داخلية متزايدة للإسراع في تشكيل حكومة جديدة، بعد فترة امتدت لأشهر من إدارة البلاد عبر حكومة تصريف أعمال.

تراجع حظوظ المالكي وصعود السوداني
كشفت مصادر سياسية عن تراجع فرص رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي في العودة إلى المنصب، رغم ترشيحه سابقا من قبل "الإطار التنسيقي".
ويعود ذلك إلى ضغوط دولية، خاصة من الولايات المتحدة، التي لوحت بوقف دعمها لبغداد في حال عودته، ما أدى إلى إرباك المشهد السياسي.
كما أسهمت تداعيات الحرب الأخيرة في دفع القوى السياسية إلى إعادة تقييم مواقفها، لتجنب أي تصعيد محتمل مع واشنطن، مع الحفاظ على توازن العلاقات الإقليمية.
ووفق مصادر مطلعة، فإن معارضة داخلية واسعة داخل الإطار قلصت فرص المالكي بشكل كبير، في وقت تتقدم فيه حظوظ رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني للحصول على ولاية ثانية، رغم استمرار بعض التحفظات.

التوتر الأمني يزيد التعقيد
تزامن المسار السياسي مع تصعيد أمني، حيث تعرضت مواقع للحشد الشعبي وفصائل موالية لإيران لغارات نسبت إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، في حين استهدفت هجمات تبنتها فصائل عراقية المصالح الأمريكية، إلى جانب ضربات إيرانية طالت مجموعات كردية معارضة في شمال البلاد.
وفي ظل هذه التطورات، وجهت واشنطن انتقادات للحكومة العراقية بشأن قدرتها على حماية مصالحها، بينما أكدت بغداد التزامها بحماية البعثات الدبلوماسية والمقيمين، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه السلطة التنفيذية المقبلة.
خلافات كردية على الرئاسة
أثار انتخاب أميدي توترا بين الحزبين الكرديين الرئيسيين، في ظل استمرار الخلاف حول آلية التوافق داخل الإقليم. فالرئيس الجديد ينتمي إلى الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي يحتفظ بالمنصب منذ عام 2005، في حين رفض الحزب الديمقراطي الكردستاني هذا المسار.
وجاء فوز أميدي في جولة ثانية من التصويت بعد حصوله على 227 صوتا من أصل 249 نائبا، عقب عدم تحقيقه أغلبية الثلثين في الجولة الأولى. وقد تم انتخابه بدعم غالبية القوى السياسية، مقابل مقاطعة من الحزب الديمقراطي الكردستاني وائتلاف دولة القانون.
خيارات مفتوحة أمام الرئيس
يقف الرئيس الجديد أمام اختبار حاسم يتمثل في تسمية مرشح الكتلة الأكبر ضمن الإطار الزمني المحدد، في ظل استمرار الانقسامات داخل القوى السياسية. وتبقى مواقف "الإطار التنسيقي" العامل الأكثر تأثيرا في تحديد هوية رئيس الوزراء المقبل، وسط ضغوط داخلية وخارجية تدفع نحو تسريع تشكيل الحكومة.
في ضوء هذه المعطيات، يظل منصب رئاسة الوزراء في العراق رهينة توازنات معقدة، حيث تتقاطع الاعتبارات السياسية مع الضغوط الدولية، ما يعكس صعوبة الوصول إلى توافق نهائي ينهي حالة الجمود.