يرى الكاتب الصحفي والناقد الفني كمال النجمي (1923–1998) أن محمد القصبجي (1892–1966) لم يوفق فيما حاول تلحينه من القصائد، ولم يتيسر له إلا القليل، مثل "يا غائبًا عن عيوني" و"يا نسيم الفجر الريَّان" و"أيها الفلك على وشك الرحيل"، أما قصيدة "إن حالي في هواها عجب" للشاعر أحمد رامي (1892–1981) فلم يذكرها النجمي، ما يشير إلى إهمالها في هذا الجانب.
والقصبجي على كل حال لم يكن ميّالاً إلى تلحين الشعر، وترى د. رتيبة الحفني أنه حاول إخضاع القصائد التي لحنها لنفس أسلوب تلحينه للزجل العامي في الطقطوقة والمونولوج، وهذا هو السبب الأساسي لفشله في تلحين الشعر الفصيح.
وعموماً فإن القصبجي لم يلحن لأم كلثوم سوى 7 قصائد. وإلى جانب "إن حالي في هواها عجب" لحن لها في عام 1926 قصيدة "انظري".
تكشف قصيدة "إن حالي في هواها عجب" – التي جاءت من مجزوء بحر الرمل – عن تجربة وجدانية عميقة تتجاوز مجرد الغزل التقليدي، لتصل إلى حالة من التوحد مع "الحب" كقيمة مطلقة.
تعتمد القصيدة على بنية التضاد والمفارقة، حيث نجد الشاعر يبني معانيه على "الزوجية المتناقضة": مثل (الرضا/الغضب) فالشاعر ينفي التأثر بالرضا أو الشقاء بالغضب، مما يكسر أفق التوقع التقليدي للمحب، ويخلق بنية دائرية لا مخرج منها.
تكرار كلمة "عجب" و"الأماني" يؤكد على الحالة الذهنية المشوّشة والمستقرة في آن واحد، فالبداية تنتهي عند النهاية (المنقلب).
كما أن استخدام بحور قصيرة (مجزوء الرمل) وقوافٍ متلاحقة (عجب، غضب، سبب، منقلب) ثم (غزل، أمل، علل، تُمل) يعطي نغمة راقصة تتناقض مع عمق المعاناة، وهو ما يسمى بـ "المفارقة الهيكلية"؛ حيث الموسيقى مُبهجة، والكلمات تعبر عن حيرة وجودية، وقد يكون هذا سببًا في فشل القصبجي أو نجاحه في تلحين هذه القصيدة.
تؤكد القصيدة من الناحية الفلسفية مبدأ "الحب كغاية في حد ذاته"، فالشاعر وصل إلى مرحلة "الاستعلاء" على المشاعر العابرة؛ فلا الرضا يرضيه، ولا الغضب يُشقيه. الفلسفة هنا هي فلسفة العدمية الإيجابية، حيث يفقد السبب المادي قيمته مقابل "الحالة الشعورية" نفسها.
وفي قوله "وهي في البعد علل"، نرى المحبوبة تتحوَّل من كائن بشري إلى "فكرة مطلقة". والوجود الحقيقي للشاعر لم يعد مرتبطًا بحضورها الجسدي، بل بوجودها "كأمنية" أو "كفكرة" مستمرة.
وقد رأينا في قوله "وإليها المنقلب" تعبيرًا فلسفيًّا صوفيّ النزعة، يشير إلى أن الحبيبة أصبحت هي "المركز" الذي تعود إليه كل التصرفات، سواء كانت هجرًا أو وصلاً.
ومن منظور علم النفس، تعكس الكلمات حالة من "المازوخية الوجدانية" تتمثل في (المتعة أو اللذة في الألم). وتحويل الألم إلى لذة في مثل قوله: "هجرُها حلو المعاني"، فهو يمارس آلية دفاعية نفسية تسمى "التسامي"، حيث يحول ألم الهجر إلى وقود للأمل والشعر.
الشاعر يجد "سببًا" للجفاء حتى لو لم يوجد (جدَّ لي منه سبب)، وهذا يدل على رغبة نفسية في استمرارية "الصراع العاطفي" لأن الهدوء (الرضا التام) يُنهي الشغف.
أما جملة "أصبحت كل الأماني"، فتشير إلى حالة من الاستغراق الكلي، حيث تذوب "الأنا" الخاصة بالشاعر في "الموضوع" (المحبوبة)، مما يجعله يفقد اتصاله بالواقع الخارجي ويكتفي بظلها النفسي.
نخلص إلى أن هذه القصيدة أو الأغنية ليست شكوى من حبيب، بل هي احتفاء بالحيرة. الشاعر لا يبحث عن حل لعذابه، بل يبحث عن "تخليد" هذا العذاب لأنه هو ما يعطيه الشعور بالحياة.
لقد اشتهر رامي بقدرته الفائقة على صياغة الحيرة العاطفية ("دليلي احتار" 1955، و"حيرت قلبي معاك" 1961) بأسلوب يجمع بين الرقة الفائقة والعمق الفلسفي. وهو هنا يعتمد "بنية اللاحسم". وتبدأ الجمل الشعرية بنفي وتنتهي بإثبات، أو العكس.
إنه يعتمد على بنية المفارقة: (ليس يرضيني رضاها / يشقيني الغضب). وهو هنا يحطم القواعد التقليدية للغزل؛ فالمحب عادة يطلب الرضا، لكن عند رامي "الحالة" أهم من "النتيجة". وهو يعتمد على التكثيف اللفظي في استخدام كلمات مثل (أفانين، المنقلب، علل) وهي كلمات تراثية وضعها الشاعر في سياق رومانسي حديث، مما خلق بنية جسرية بين الكلاسيكية والرومانسية.
ولعلنا لاحظنا أن الحب عند أحمد رامي، ليس "امتلاكاً" بل هو "حالة وجودية"، وفلسفة استغنائية. فالشاعر في حالة اكتفاء ذاتي بمشاعره. هو لا ينتظر من المحبوبة فعلاً (رضا أو غضب)، بل يتغذى على "خيالها". هذه فلسفة ترى أن الخيال أصدق من الواقع. إنه يطرح فكرة فلسفية مفادها أن "الرغبة" تقتلها "التلبية". لذلك هو يفضل "الأماني" لأنها متجددة، بينما "الوصول" قد يعني النهاية.
وقد عُرف رامي في قصائده بـ "المحب المستسلم بوعي". فالشاعر لا يحب "المرأة" بقدر ما يحب "حاله في هواها" (إن حالي في هواها عجب). إنه منبهر بقدرة قلبه على استعذاب الهجر ("هجرتك" 1959)، وهذا نوع من التلذُّذ النفسي بالحزن النبيل. وعندما يقول "وإليها المنقلب"، فهو يعلن عن حالة من "الحصار النفسي الاختياري". إنه يغلق على نفسه دائرة الحبيبة، ويرفض الخروج منها حتى لو كان الثمن هو "العلل" و"الجفاء".
وقد تأرجح أداء أم كلثوم بين القوة واللين في غنائها لبيت "ليس يرضيني رضاها.. ثم يشقيني الغضب"، فهي لا تغنيه بنبرة انكسار، بل بنبرة "كبرياء الحيرة". هذا الأداء يعكس فلسفة رامي في أن المحب "سيد قراره" حتى في عذابه. وفي عبارة "حلو المعاني"، يخرج صوت أم كلثوم بنعومة تلامس "اللذة النفسية" التي تحدثنا عنها في التحليل المازوخي، بينما في "باعث روح الأمل"، تضخ قوة وتفاؤلاً يوحي بأن "الهجر" نفسه صار وقودًا للحياة.
وعندما تشدو أم كلثوم "والأماني لا تمل"، فهي تحول "الأمنية" من مجرد رغبة شخصية لأحمد رامي إلى "حالة جماعية". صوتها يمنح المستمع شعورًا بأن "الانتظار" و"الأمل" هما الغاية، وليس الوصول.
وقد لاحظنا في إعادة أم كلثوم لبعض المقاطع، تأكيدًا على "الدائرية النفسية"؛ أي أن المحب محبوس في ساقية من المشاعر (جفاء، صفا، هجر، وصل) لا يريد الخروج منها، وصوتها يجسد هذا الحصار الجميل.
إن صوت أم كلثوم نقل القصيدة من "ورقة" كتبها رامي، إلى "تجربة وجدانية" يشعر فيها المستمع أن "العجب" ليس في حال الشاعر وحده، بل في طبيعة النفس البشرية التي تعشق ما يشقيها.
كلمات قصيدة "إن حالي في هواها عجب":
إن حالي في هواها عجبٌ أي عجب
ليس يرضيني رضاها ثم يشقيني الغضب
فإذا طال جفاها جدَّ لي منه سبب
فتطلبتُ صفاها وإليها المنقلب
وصلها عذب المجاني من أفانين الغزل
هجرها حلو المعاني باعث روح الأمل
هي شغلٌ في التداني وهي في البعدِ علل
أصبحتْ كلُّ الأماني والأماني لا تَمَلُّ