فؤاد المرسي: شم النسيم احتفالية مصرية ضاربة في عمق التاريخ | خاص
أكد الباحث والروائي فؤاد مرسي أن احتفالية شم النسيم تعد واحدة من أقدم وأعمق المناسبات الشعبية في التاريخ المصري، حيث تمتد جذورها إلى الحضارة المصرية القديمة، وظلت مستمرة حتى اليوم رغم تعاقب العصور واختلاف الأديان والثقافات.
جذور فرعونية وارتباط بالطبيعة
أوضح مرسي في تصريحات خاصة لـ «إيجبتك»، أن شم النسيم نشأ في مصر القديمة، حيث ارتبط بموسم الحصاد وبداية الربيع، وهو ما كان يُعرف بـ"شمو"، وهو الموسم الذي يحتفل فيه المصري القديم بوفرة المحاصيل والخيرات. وكان هذا الاحتفال تعبيرًا عن الامتنان للطبيعة، التي منحت الإنسان الحياة والغذاء.
وأشار إلى أن المصريين القدماء كانوا يحرصون على ممارسة طقوس رمزية خلال هذا اليوم، مثل تلوين البيض وتقديمه قرابين في المعابد، باعتباره رمزًا للخلق والحياة، حيث ارتبط في المعتقدات القديمة بفكرة نشأة الكون من بيضة أولى خرجت منها الحياة.
من مصر القديمة إلى المسيحية
وأضاف أن الاحتفال بشم النسيم لم يندثر مع تغير العقائد، بل تم توظيفه بما يتناسب مع الديانة المسيحية عند دخولها مصر، حيث تزامن مع فترة الصوم الكبير، مشيرا أنه نظرًا لعدم جواز الاحتفال خلال الصوم، تم ترحيل موعده ليأتي بعد عيد القيامة مباشرة، ليصبح يوم الاثنين التالي له، وهو الموعد الذي ما زال قائمًا حتى الآن.
وأوضح أن هذا التكيف يعكس قدرة الثقافة المصرية على استيعاب المتغيرات، مع الحفاظ على جوهر الاحتفال المرتبط بتجدد الحياة وبداية دورة جديدة للطبيعة.
الثقافة الإسلامية
وأكد مرسي أن شم النسيم استمر كذلك بعد دخول الإسلام إلى مصر، دون تعارض مع التعاليم الدينية، حيث احتفظ بطابعه كعيد شعبي مرتبط بالربيع والخروج إلى الطبيعة، مشيرا إلى إلى أن المصريين اعتادوا الخروج إلى النيل والتنزه، بل وارتبطت بعض الممارسات الشعبية بحكايات دينية، مثل الاستحمام بالنباتات في "أربعاء أيوب"، طلبًا للشفاء والتطهر.
رموز وطقوس ممتدة عبر العصور
وتحدث عن الرموز المرتبطة بالاحتفال، موضحًا أن بعضها يمتد لأيام تسبق شم النسيم، مثل "سبت النور"، حيث كان المصريون يحرصون على استخدام الكحل، وهي عادة قديمة تعود إلى المصريين القدماء، وكان يُعتقد أنها تحمي العين وتقوي النظر، إلى جانب دلالاتها الرمزية المرتبطة بالنور والتجدد، مضيفا أن الكحل لم يكن مجرد زينة، بل كان يُستخدم بطريقة تقليدية تعتمد على مواد طبيعية، وكان شائعًا بين الرجال والنساء على حد سواء، وهو ما تؤكده النقوش والبرديات القديمة.
احتفالية عابرة للأديان
وشدد مرسي على أن شم النسيم يمثل نموذجًا فريدًا للاحتفال العابر للأديان، حيث نجح في التكيف مع المعتقدات المختلفة، بدءًا من الديانة المصرية القديمة، مرورًا بالمسيحية، وصولًا إلى الإسلام، دون أن يفقد هويته أو رمزيته.
وأوضح أن هذا الاستمرار يعكس خصوصية الشخصية المصرية، التي تحافظ على تراثها الثقافي وتعيد صياغته بما يتناسب مع كل مرحلة تاريخية، مشيرا إلى أن شم النسيم ليس مجرد مناسبة ترفيهية، بل هو تعبير عميق عن ارتباط الإنسان المصري بالطبيعة والحياة.
دلالات ثقافية وإنسانية
واختتم حديثه لـ"إيجبتك": أن فهم شم النسيم يتطلب قراءة أعمق للوجدان المصري، حيث يجسد هذا العيد الشعبي حالة من التوازن بين التراث والتجدد، ويعبر عن قدرة المجتمع على الحفاظ على هويته الثقافية عبر آلاف السنين، في ظل تغيرات حضارية ودينية متلاحقة.