لا أدري، هل عدنا إلى زمنٍ كان يُنظر فيه إلى الثقافة باعتبارها رفاهية يمكن الاستغناء عنها؟ إن هذا التصور يُعد خطأً جسيمًا، خاصةً إذا كان صادرًا عن أحد المسؤولين؛ فالثقافة والفنون ليستا ترفًا يُناسب فقط أوقات الاستقرار، بل هما ضرورة حتمية لبقاء المجتمعات وتماسكها.
فالحقيقة أن الثقافة تمثل خط الدفاع الأول عن هوية الشعوب ووعيها، وهي الحصن الذي تتحطم عليه محاولات التزييف والتطرف والهيمنة. وكما تحتاج الدول إلى الجيوش لحماية حدودها، فإنها تحتاج بالقدر نفسه إلى عقولٍ مستنيرة تحمي وجدانها وتصون هويتها.
الثقافة ليست مجرد كتب تُقرأ أو عروض تُشاهد، بل هي منظومة متكاملة تُشكل وعي الإنسان وتحدد نظرته لنفسه وللآخر. إنها التي تزرع قيم التسامح والانتماء، وتُعزز القدرة على التفكير النقدي، وهي بذلك تمثل السلاح الأهم في مواجهة الأفكار الهدامة التي تسعى لاختراق المجتمعات من الداخل. فالإرهاب، على سبيل المثال، لا يُحارب بالسلاح فقط، بل يُهزم أولاً في العقول، عندما يُواجه بالفكر المستنير والفن الهادف.
وقد عبّر عميد الأدب العربي طه حسين عن هذه الفكرة بوضوح حين قال: “التعليم كالماء والهواء”، وهي مقولة يمكن إسقاطها على الثقافة بشكل عام، إذ لا يمكن لمجتمع أن يعيش أو يتطور دونها. فالثقافة تُحرر الإنسان من الجهل، وتمنحه القدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين ما يُبنى وما يُهدم.
ولعل مفهوم “القوة الناعمة” يُجسد الدور الحقيقي للثقافة في العصر الحديث. فقد أثبتت التجارب أن الدول التي تمتلك إنتاجاً ثقافياً وفنياً قوياً، قادرة على التأثير في العالم دون إطلاق رصاصة واحدة. السينما، والمسرح، والأدب، والموسيقى، كلها أدوات تُعيد تشكيل الصورة الذهنية للشعوب، وتفتح جسور التواصل بينها، وتُرسخ قيم التفاهم بدلاً من الصراع.
و يمكننا استحضار رؤية بعض المفكرين الذي أكدوا أن الثقافة ليست فقط وسيلة للتعبير، بل أيضاً أداة مقاومة. فالشعوب التي تُحافظ على ثقافتها وتراثها، تُحافظ في الوقت نفسه على وجودها وهويتها، وترفض الذوبان في ثقافات أخرى تُفرض عليها قسراً. ومن هنا تصبح الفنون، بما تحمله من رموز ودلالات، شكلاً من أشكال النضال السلمي.
ولا يقتصر دور الثقافة على مواجهة التحديات الخارجية، بل يمتد إلى الداخل، حيث تُسهم في بناء إنسان متوازن قادر على الإبداع والعمل. فالمجتمع المثقف هو مجتمع أقل عرضة للانقسام وأكثر قدرة على التماسك، لأنه يمتلك وعياً جمعياً يُدرك قيمة الاختلاف ويُحسن إدارة التنوع. كما أن الفنون تُوفر متنفساً إنسانياً يُخفف من حدة الضغوط، ويُحول الطاقات السلبية إلى إبداع إيجابي.
ومن اللافت أن العديد من الدول التي مرت بأزمات كبرى، لجأت إلى الثقافة كوسيلة لإعادة البناء. فالمسارح عادت لتفتح أبوابها، والمعارض الفنية أُقيمت، والكتب انتشرت، وكأنها رسالة واضحة بأن الحياة لا تُهزم، وأن الوعي هو الطريق الحقيقي للنهضة. وقد قال الزعيم الهندي المهاتما غاندي: “الثقافة الحقيقية هي التي تُهذب النفس وتُقوي الروح”، وهي عبارة تختصر جوهر الدور الذي تلعبه الثقافة في حياة الأمم.
إن التقليل من شأن الثقافة هو في حد ذاته خطر كبير، لأنه يُفرغ المجتمع من مناعته الفكرية، ويجعله فريسة سهلة لأي أفكار دخيلة. لذلك، فإن الاستثمار في الثقافة والفنون ليس رفاهية، بل ضرورة استراتيجية لا تقل أهمية عن الاستثمار في الاقتصاد أو الأمن. فالمعركة الحقيقية اليوم ليست فقط على الأرض، بل على العقول أيضاً.
وفي الختام، يمكن القول إن الثقافة هي السلاح الذي لا يصدأ، والقوة التي لا تُقهر، لأنها تعمل في صمت، لكنها تُحدث أثراً عميقاً ودائماً. فحين يكون الإنسان واعياً ومثقفاً، يصبح قادراً على الدفاع عن نفسه ووطنه، ليس فقط بالسلاح، بل بالفكر والإبداع. ومن هنا، تظل الثقافة دائماً وأبداً خط الدفاع الأول عن الشعوب.