رسالة مشفرة من واشنطن إلى بكين: عصر "الالتفاف على العقوبات" قد انتهى
في خطوة تحمل دلالات استراتيجية فيما يخص النفط، وقبيل انعقاد القمة المرتقبة في بكين، شارك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصته "تروث سوشيال" مقالاً تحليلياً من موقع Just the News، يسلط الضوء على نجاح إدارته في تفكيك واحدة من أكثر "الثغرات" التي استغلتها الصين لسنوات.
المقال الذي أرفقه ترامب يعرض كيف أدت التحركات الأمريكية الحاسمة في ملفي إيران وفنزويلا إلى توجيه ضربة قاضية لخطة الصين المربحة، والتي كانت تعتمد على استيراد النفط الخاضع للعقوبات بأسعار "بخسة" لتمويل آلتها العسكرية واقتصادها المتنامي.
الصين ستدفع الآن
بمنشوره هذا، يرسل ترامب رسالة واضحة مفادها أن واشنطن لم تعد تكتفي بفرض العقوبات، بل انتقلت إلى مرحلة "تجفيف المنابع" وتغيير قواعد اللعبة في سوق الطاقة العالمي.
فبعد أن كانت بكين تجني مليارات الدولارات من الخصومات النفطية نتيجة عزلة طهران وكاراكاس، تجد نفسها اليوم - وبفعل الإتفاقات الأمريكية الأخيرة - مضطرة لدفع "السعر العادل" في السوق، مما يضع العملاق الآسيوي أمام حسابات استراتيجية معقدة وتكلفة اقتصادية لم تكن في الحسبان قبل الجلوس على طاولة المفاوضات مع "سيد الصفقات" في بكين.
المقال من موقع just the news، يشير إلى أنه لطالما اعتمدت الصين، على مدار سنوات طويلة، على استراتيجية استغلال العقوبات الدولية والأمريكية المفروضة على دول توصف بـ "المنبوذة" دولياً، مثل إيران وفنزويلا.
وقد مكنت هذه الاستراتيجية بكين من الحصول على إمدادات نفطية بأسعار مخفضة للغاية وبخصومات هائلة، مما ساهم في تغذية محركاتها الاقتصادية المتسارعة وتعزيز قدراتها العسكرية المتنامية.
إلا أن هذا الترتيب التجاري المربح للغاية واجه تحولاً جذرياً ومفاجئاً؛ نتيجة التدخلات العسكرية والسياسية الحاسمة التي قادها الرئيس دونالد ترامب ضد نظامي كاراكاس وطهران، مما أدى إلى قلب الطاولة على الحسابات الصينية.
الحسابات الاستراتيجية قبيل القمة

تجد القيادة الصينية نفسها اليوم أمام واقع استراتيجي مختلف تماماً وهي تستعد للقاء مرتقب وهام مع الرئيس الأمريكي في بكين، والمزمع عقده مبدئياً في الشهر المقبل.
وفي تحليل لهذه التطورات، أوضح برنت سادلر، الباحث في مركز أليسون للأمن القومي التابع لمؤسسة التراث، خلال مشاركته في برنامج "Just the News, No Noise" التلفزيوني، أن الصين هي المحرك الخفي وراء هذه التفاعلات، واصفاً ما يحدث بأنه جزء من "حسابات استراتيجية شاملة" تتعلق بالحرب مع إيران والتدخل في فنزويلا.
وأشار سادلر إلى أنه قبل العمليات العسكرية التي شهدتها فنزويلا في عيد الميلاد الماضي، كانت بكين تجني ثماراً اقتصادية ضخمة عبر فرض شروطها التجارية والحصول على كميات هائلة من النفط الرخيص. أما في ظل الوضع الراهن، فقد بات لزاماً على الصين دفع "السعر العادل للمنطقة" لما يتجاوز 20% من إجمالي وارداتها النفطية، وهي تكلفة تفوق بكثير ما كانت تعتاد دفعه، والمفارقة هنا هي أن خصمهم اللدود في واشنطن هو من يمسك بزمام التحكم في هذه التكاليف.
رسائل للرئيس "شي جين بينغ"
يرى المحللون أن هذه التحركات الأمريكية الأخيرة وجهت رسالة حزم قوية إلى بكين قبل القمة المحتملة بين الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره الأمريكي. فقبل اندلاع المواجهة العسكرية ضد إيران وعملية اعتقال الديكتاتور الفنزويلي نيكولاس مادورو في وقت سابق من هذا العام، كانت الصين تبرع في الالتفاف على العقوبات النفطية لملء احتياطياتها الاستراتيجية ودعم اقتصادها المعتمد تاريخياً بشكل مفرط على النفط المستورد.
وفي هذا الصدد، كشف تقرير حديث صادر عن اللجنة المختارة بمجلس النواب الأمريكي المعنية بالحزب الشيوعي الصيني عن أرقام مذهلة؛ فبحلول أوائل عام 2026، نجحت الصين في تخزين حوالي 1.2 مليار برميل من النفط الخاضع للعقوبات بأسعار زهيدة، وهو ما يكفي لتغطية احتياجاتها من الواردات البحرية لمدة 109 أيام كاملة.
ما استوردته الصين في 2025
وفقاً لبيانات لجنة مجلس النواب، استوردت الصين خلال عام 2025 ما مجموعه 2.6 مليون برميل يومياً من النفط الخام الخاضع للعقوبات عبر المسارات البحرية، وتوزعت هذه الكميات كالتالي:1.4 مليون برميل يومياً من روسيا، 852 ألف برميل يومياً من إيران، 419 ألف برميل يومياً من فنزويلا.
هذه الواردات شكلت قبل اندلاع الحرب في إيران نحو خمس (20%) إجمالي النفط الذي تستورده الصين من الخارج. وقد استغلت بكين ظروف هذه الدول الخاضعة للعقوبات — سواء بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا أو البرنامج النووي الإيراني — للحصول على صفقات وفرت على الخزانة الصينية ما يقدر بـ 12 إلى 15 مليار دولار أمريكي في عام 2024 وحده.
نظام المشتري الوحيد
انتهت اللجنة المختارة التابعة لمجلس النواب إلى استنتاج هام، وهو أن العقوبات الغربية التي فُرضت على النفط الروسي والإيراني والفنزويلي كانت تهدف أصلاً إلى تجفيف منابع تمويل الحكومات المعادية.
ومع ذلك، وبدلاً من خروج هذه البراميل من السوق العالمي تماماً، أدت تلك الإجراءات إلى دفع النفط نحو "مجموعة ضيقة ومستعدة للمخاطرة"، كانت الصين في مقدمتها.
وأكد التقرير أن النتيجة النهائية تمثلت في خلق سوق يعتمد فيه المصدرون الخاضعون للعقوبات بشكل متزايد على عدد محدود جداً من المشترين، مما منح مصافي التكرير الصينية ميزة استثنائية للوصول إلى النفط الخام بأسعار مخفضة للغاية، وهو الامتياز الذي يبدو أن الإدارة الأمريكية الحالية تسعى لإنهاء فاعليته بشكل حاسم.