«لبنان المنسي دائما».. صمت دولي ونزيف مستمر.. باريس الشرق تحترق
تحت سماء بيروت التي كانت يوماً «باريس الشرق»، يرقد لبنان اليوم جريحاً ينزف دون أن يسمع أحد صرخاته، فلم تمضِ ساعات على إعلان وقف إطلاق النار الأمريكي-الإيراني، حتى انفجر الواقع في 8 أبريل بموجة غارات إسرائيلية غير مسبوقة، أكثر من 100 هدف في دقائق معدودة، 254 شهيداً و1165 جريحاً في يوم واحد، وفق وزارة الصحة اللبنانية وفرق الدفاع المدني.
1.2مليون نازح

دمار يطال أحياء سكنية كثيفة في الضاحية الجنوبية وبيروت والبقاع والجنوب، وأطفال يُسحبون من تحت الركام، ومستشفيات تكتظ بالموتى والمصابين قبل أن تصل إليها المساعدات.
أدى القصف الإسرائيلي المكثف والردود الصاروخية إلى نزوح أكثر من 1.2 مليون شخص – أي نحو 20% من سكان البلاد – ومقتل وإصابة آلاف آخرين، مع تدمير واسع للبنى التحتية.
هذه الأزمة ليست جديدة؛ فهي تتراكم على انهيار اقتصادي بدأ عام 2019، ونزوح سابق بلغ ذروته بنحو مليون نازح في 2024، وهدنة هشة في نوفمبر 2024 لم تُنفذ بالكامل. لكن التصعيد الأخير، الذي وصفته الأمم المتحدة بـ"العاصفة الكاملة" (perfect storm)، يجمع بين الحرب والنزوح والجوع والمرض، فيما يبدو المجتمع الدولي غائباً أو عاجزاً عن التحرك الفعال.
كارثة إنسانية غير مسبوقة

بحسب تقارير رسمية لبنانية وأممية حتى أوائل أبريل 2026، تجاوز عدد النازحين 1.2 مليون شخص، معظمهم من جنوب لبنان والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت. أكثر من 136 ألفاً يقيمون في 663 مركز إيواء جماعي، بما في ذلك مدارس اكتظت بالعائلات، مما أدى إلى انقطاع التعليم وانتشار الأمراض.
سجلت الأمم المتحدة حتى نهاية مارس/آذار مقتل 1072 شخصاً وإصابة 2966 آخرين، مع تأثير غير متناسب على النساء والأطفال (20% من الضحايا أطفال). تضررت جسور وطرق حيوية جنوب نهر الليطاني، وأغلقت 51 مركزاً صحياً أولياً وأربعة مستشفيات.
يقدر النداء الإنساني العاجل (Flash Appeal) للفترة مارس-مايو 2026 أن 1.3 مليون شخص قد يتأثرون مباشرة، بينهم 325 ألف امرأة في سن الإنجاب و13.5 ألف حامل.
يضاف إلى ذلك الانهيار الاقتصادي المزمن: انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7.1% في 2024، وتراكم الخسائر إلى 14 مليار دولار، وأكثر من 79% من السكان تحت خط الفقر، و961 ألف شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد قبل التصعيد.

صمت دولي ودعوات دون ضغط فعلي
رغم النداءات المتكررة من الحكومة اللبنانية، يبدو الرد الدولي محدوداً وغير كافٍ. أطلقت الأمم المتحدة نداءً عاجلاً بقيمة 308.3 مليون دولار لمساعدة مليون شخص، لكن التغطية التمويلية لا تتجاوز 30% في بعض التقارير الأولية.
قدمت فرنسا 60 طناً من المساعدات، وأجرت دول أوروبية (بريطانيا، فرنسا، إيطاليا وغيرها) بيانات تدعو إسرائيل إلى عدم توسيع الصراع، لكنها لم ترتقِ إلى فرض عقوبات أو آليات تنفيذية.
دعا رئيس الوزراء نواف سلام إلى وقف فوري لإطلاق النار ومفاوضات برعاية دولية، مؤكداً استعداد لبنان للتفاوض مع إسرائيل. كما حذر الرئيس جوزيف عون من أن "الصمت أو التقاعس يشجع على التمادي".
أما منسق الأمم المتحدة الإنساني في لبنان عمران رضا، فقد أكد أن "ما نحتاجه أكثر من أي شيء هو وقف الأعمال العدائية"، مشيراً إلى أن المساعدات الإنسانية وحدها لا تكفي.
ومع ذلك، يغيب الضغط الدولي الجاد. يركز المجتمع الدولي على أزمات أخرى (أوكرانيا، غزة، التوترات الإيرانية-الأمريكية)، فيما يُرى الدعم الأمريكي لإسرائيل يحد من فعالية مجلس الأمن.
حتى بعد إعلان وقف إطلاق نار أمريكي-إيراني، استمرت الغارات الإسرائيلية الواسعة في 8 أبريل/نيسان (عملية "الظلام الأبدي" حسب الرواية الإسرائيلية)، مما يثير تساؤلات حول استثناء الجبهة اللبنانية من التهدئة.

لماذا "الصمت الشامل"
يعزى الصمت إلى عدة أسباب:
-الأولويات الجيوسياسية، بالتركيز على التهدئة الأمريكية-الإيرانية يترك لبنان "على الهامش".
-التمويل المحدود: تخفيضات عالمية في المساعدات الإنسانية، مع دعم خليجي "مكتوم" بسبب التوترات الإقليمية.
-غياب الإرادة السياسية: دعوات لتنفيذ قرار 1701 (2006) تظل كلامية، رغم انتهاكات إسرائيلية موثقة (أكثر من 10 آلاف انتهاك جوي وبري منذ الهدنة).

هل ينتظر لبنان معجزة؟
لبنان اليوم ليس فقط جريحاً، بل مهدداً بانهيار كامل إذا استمر النزوح الطويل الأمد والدمار. يحذر تقرير الأمم المتحدة من أن "المدنيين هم من يدفع الثمن"، ويطالب باحترام القانون الإنساني الدولي.
السؤال المطروح: إلى متى يستمر الصمت الدولي؟ الإجابة تكمن في يد المجتمع الدولي، فبدون وقف فوري لإطلاق النار، ودعم حقيقي للجيش اللبناني، ومفاوضات جادة برعاية أممية، قد يتحول "لبنان الجريح" إلى دولة فاشلة على حدود المنطقة بأسرها.