بين ضجيج المنبهات صباحاً وتنهيدة التعب في نهاية اليوم، يمرُّ العمر كقطار سريع لا يتوقف في المحطات التي اشتهتها قلوبنا، نركض خلف لقمة العيش، خلف إرضاء المجتمع، وخلف صور مثالية رسمها لنا العالم، وفي زحمة هذا الركض، نسقطُ سهواً من حسابات أنفسنا، إن أصعب أنواع الغربة ليس العيش في بلد غريب، بل أن تعيش في جسد لا يخدم أحلامك، وتستيقظ كل يوم لتمارس دوراً في مسرحية لم تختر أنت نصّها ولا مخرجها.
الحقيقة التي قد توجعنا هي أن الكثير من تعبنا النفسي، وضيق الصدور الذي يباغتنا بلا سبب واضح، ليس إلا احتجاجاً صامتاً من أرواحنا، تلك الروح التي خُنقت تحت وطأة "العيب" و"المستحيل" و"ماذا سيقول الناس؟"، لقد وُلد كل منا وفي جعبته رسالة، شفرة خاصة لا يفك رموزها إلا هو، وموهبة لو سُقيت بالجرأة لأزهرت كوناً كاملاً. لكننا، للأسف نختار غالباً الطريق الممهد الذي سلكه الملايين قبلنا، خوفاً من وعورة طريقنا الخاص، متناسين أن القمم لا تُنال بالتقليد، بل بالتفرد.
كم من موهبة دُفنت في مكاتب الوظائف الرتيبة؟ وكم من ريشة فنان جفّت لأن صاحبها أقنعه العالم أن الفن "لا يطعم خبزاً"؟ الخطأ الفادح الذي نرتكبه في حق وجودنا هو مقايضة الشغف بالأمان المزيف، الأمان الذي ينتهي بنا ونحن في الخمسين أو الستين، ننظر للمرآة لنسأل بغصة: "من أنا؟ وأين ذهب ذاك الطموح الذي كان يلمع في عينيّ يوماً؟"، إن الرسالة في الحياة ليست مجرد مهنة، بل هي الأثر الذي تتركه في قلوب العابرين، هي تلك السكينة التي تشعر بها حين تفعل ما تحب، وكأن الزمن يتوقف والكون كله يبتسم لك.
يجب أن نعترف بأننا أخطأنا حين ظننا أن النجاح هو الوصول لخط النهاية الذي وضعه لنا الآخرون. النجاح الحقيقي هو أن تمتلك الشجاعة لتفشل في طريقك الخاص، بدلاً من أن تنجح في طريق لا ينتمي إليك، الفشل في سبيل الحلم هو شرف، هو محاولة شجاعة تعلن للعالم أنك "حي" ولست مجرد آلة تؤدي مهاماً مبرمجة، لا بد من وقفة صدق نخلع فيها كل تلك الأقنعة الثقيلة، ونعود لنسأل الطفل القابع في أعماقنا: "ماذا كنت تريد حقاً قبل أن يلوث العالم براءتك بشروطه؟".
إن الوقت لا ينفد أبداً لمن قرر أن يبدأ الآن، فالحلم لا يسقط بالتقادم، والرسالة لا تموت طالما هناك قلب ينبض بالرغبة في التغيير، العثرات التي واجهتنا في الماضي ليست إلا دروساً قاسية لتعلمنا كيف نقدر لحظة الوصول، لا تسمح لسنوات عمرك أن تضيع في محاولة إثبات شيء لمن لا يهمهم أمرك، بل اجعل كل يوم خطوة، ولو صغيرة جداً، نحو تلك الغاية التي تجعلك تشعر بأن لوجودك معنى.
نحن مدينون لأنفسنا بحياة تشبهنا، بضحكة تنبع من الأعماق، وبإنجاز نضع فيه قطعة من أرواحنا، ليكن هدفك هو أن تصبح النسخة الأجمل من نفسك، لا النسخة المشوهة من شخص آخر، وفي ختام كل يوم، اسأل نفسك بصدق: هل اقتربت اليوم من رسالتي؟ أم أنني ما زلت أدور في ساقية التوقعات؟ تذكر دائماً أنك لست مجرد عابر سبيل، بل أنت حكاية فريدة لم تُكتب فصولها الأخيرة بعد، وبيدك وحدك أن تجعل الخاتمة تليق بعظمة الروح التي تسكنك.
Show quoted text