كيف نجحت الرواية الجزائرية “أغالب مجرى النهر” في حسم البوكر ؟
أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية اليوم، فوز رواية “أغالب مجرى النهر” للكاتب الجزائري سعيد خطيبي بجائزة دورة 2026، وذلك خلال إعلان رسمي تابعه الوسط الثقافي العربي، في واحدة من أكثر الدورات تنافسية خلال السنوات الأخيرة، نظرًا لتقارب مستويات الأعمال المرشحة وتنوع موضوعاتها السردية.
وكشف رئيس لجنة التحكيم محمد القاضي خلال بث افتراضي عبر منصات الجائزة، عن فوز الرواية بعد تصويت نهائي بين الأعمال الستة التي وصلت إلى القائمة القصيرة، مؤكداً أن الاختيار جاء نتيجة تقييم شامل اعتمد على البنية السردية والعمق الإنساني والقدرة على معالجة التاريخ الاجتماعي والسياسي داخل النص الروائي.
معايير صارمة ومنافسة واسعة
جاء تتويج رواية “أغالب مجرى النهر” بعد منافسة قوية مع 137 رواية تقدمت للجائزة، حيث اختارت لجنة التحكيم القائمة الطويلة ثم تقلصت تدريجيًا إلى 16 عملًا، قبل الوصول إلى القائمة القصيرة التي ضمت ست روايات فقط من مختلف الدول العربية.
وأشارت لجنة التحكيم إلى أن الدورة الحالية تميزت بارتفاع المستوى الفني للأعمال المشاركة، وهو ما جعل عملية الاختيار أكثر صعوبة ودقة، خاصة مع تنوع المدارس السردية بين الواقعية والتاريخية والتجريبية.
ماذا تروي “أغالب مجرى النهر”؟
تدور أحداث الرواية حول خطين سرديين متوازيين في الجزائر العاصمة، حيث تتناول شخصية طبيبة عيون تُدعى عقيلة، تعمل على إعادة البصر لمرضاها باستخدام قرنيات تُثير الشبهات حول مصدرها، ما يقود إلى اتهامها بقتل زوجها.
وفي الوقت نفسه، تُفتح ملفات عائلتها المعقدة، حيث يُتهم والدها، وهو مقاتل سابق في صفوف المقاومة الجزائرية، بالخيانة الوطنية، لتتشابك الخيوط بين الخاص والعام داخل بنية روائية تعكس أزمة الذاكرة الجزائرية.
وتتوسع الرواية عبر الزمن لتستعرض مراحل تاريخية حساسة من تاريخ الجزائر، بدءًا من الحرب العالمية الثانية، مرورًا بحرب التحرير ضد الاستعمار الفرنسي، وصولًا إلى العشرية السوداء في تسعينيات القرن الماضي، بما تحمله من آثار اجتماعية وسياسية ممتدة.
البعد الرمزي
يرى الكاتب سعيد خطيبي أن الرواية لا تقتصر على سرد جريمة فردية، بل تتجاوزها إلى قراءة أعمق للمجتمع والتاريخ، حيث تتحول “البصيرة” في النص إلى رمز لفهم الحقيقة الجماعية.
وتبرز شخصية الطبيبة عقيلة كرمز لمحاولة إنقاذ المجتمع من “العمى الرمزي”، عبر كشف طبقات من الحقيقة المطمورة تحت روايات متراكمة من الصراع السياسي والتاريخي، ما يمنح الرواية بعدًا فلسفيًا يتجاوز حدود السرد التقليدي للجريمة.
الكاتب سعيد خطيبي
يعد سعيد خطيبي من أبرز الأسماء في المشهد الروائي الجزائري المعاصر، حيث سبق أن صدرت له أعمال لافتة منها “أربعون عامًا في انتظار إيزابيل”، و“حطب سراييفو”، و“نهاية الصحراء”، التي نالت جوائز عربية ودولية وترشيحات مهمة.
ويأتي فوزه الحالي ليعزز حضوره الأدبي كأحد الأصوات التي تمزج بين الحس التاريخي والاشتباك مع الأسئلة الإنسانية الكبرى، ما جعله يعود بقوة إلى الواجهة الأدبية بعد وصوله سابقًا إلى القوائم النهائية للجائزة
لجنة تحكيم دولية ومعايير اختيار دقيقة
تكونت لجنة تحكيم الدورة من خمسة أعضاء برئاسة الناقد التونسي محمد القاضي، وعضوية كل من شاكر نوري، وليلى هي وون بيك، ومايا أبو الحيات، وضياء الكعبي، حيث اعتمدت اللجنة في تقييمها على معايير تتعلق بالابتكار السردي، وبناء الشخصيات، والقدرة على تمثيل قضايا المجتمع العربي ضمن رؤية فنية متماسكة.
وأكدت الجائزة أن هدفها الأساسي يظل دعم الرواية العربية المعاصرة وتعزيز انتشارها عالميًا عبر ترجمة الأعمال الفائزة والقوائم القصيرة إلى لغات عالمية، بما يتيح وصولها إلى جمهور أوسع خارج العالم العربي.