وكما قلنا أمس أصبحنا نتلقى ردود وإيضاحات كافة وزارات ومحافظات وهيئات مصر العامة في جريدتين.. الأحرار في الفيلا المواجهة للقصر الجمهوري بميدان حدائق القبة.. والأسبوع بعد تأسيسها بجوار دار القضاء العالي بشارع ٢٦ يوليو..
آلية العمل في الصحيفة اليومية تختلف عنها في الصحيفة الأسبوعية، وحجم الجهد في اليومي يختلف عن الأسبوعي.. وبينما يلعب مع رئيس تحرير الأحرار وقتها د. صلاح قبضايا بعض الكتاب الصحفيين البارزين دورًا في تحمل الأعباء، وفي مقدمتهم الكاتب الكبير عصام كامل، ومثله زكريا خضر ومحمد أبو المجد وطه خليفة والراحل عبد السلام لملوم وآخرين، كان هناك في الأسبوع مع رئيس تحريرها الكاتب الكبير مصطفى بكري فريق آخر، لكن كانت آلية العمل تستلزم أن تكون الإجازة في يوم صدور الجريدة.. فالجريدة الأسبوعية التي تصدر رسميًا يوم الاثنين هي في يد صانعيها والقارئ من يوم الأحد، ويبدأ أسبوعها فعليًا يوم الثلاثاء!
كان الراحل الكريم الوزير طيب السيرة د. مفيد شهاب قد حدثني في الأحرار عن مشكلة تخص رئيس جامعة أسيوط الأسبق، محافظ الفيوم الأسبق أيضًا د. محمد رأفت محمود، ( وكان كفؤا محترماً ورطه بعد القيادات في مشكلة) عن حملة طالت مستشفى أسيوط الجامعي.. لكن وقد حل ثلاثاء أحد الأسابيع، ونبدأ عملنا باجتماع مجلس التحرير الذي يقيم أسبوعًا مضى ويخطط لمهام أسبوع يبدأ.. وبينما المناقشات حامية، وبينما الكلمة عند من طلبها وسط انتظار عرض رؤساء الأقسام، وفجأة يستأذن سكرتير المؤسسة في الدخول لينظر لي ثم ينظر للراحل الكريم الكاتب والنائب د. محمود بكري، وكان يترأس الاجتماع بصفته وقتها نائب رئيس التحرير.. ينظر إليه السكرتير ويبلغه بأن الدكتور مفيد شهاب، وزير التعليم العالي، على التليفون - وقد اتصل على هاتف الجريدة الأرضي - وأنه يطلبني!!
نظر إلى محمود بكري رحمه الله وقال: أكيد علشان مقالك النهارده.. طيب اتفضل يا أبو حميد الحق رد على الراجل.. طلبت من السكرتارية في الممر تحويل الاتصال إلى إحدى الغرف بعيدًا عن ضوضاء مكاتب السكرتارية..
لم يكن د. شهاب من أولئك الذين يتحرجون من الاتصال المباشر بالصحفيين، ولم يكن من طبعه أن يترك لسكرتاريته الاتصال والانتظار حتى يرد الشخص المطلوب، لذا.. عندما قلت صباح الخير معالي الوزير وجدته هو على الخط، وجاء صوته الوقور المحترم: أهلاً أستاذ أحمد.. وراح الرجل يشرح وجهة نظره!
القصة باختصار: طالب جامعي يعاني من مرض صعب.. صعب جدًا.. يطلب النقل إلى جامعة أخرى قريبة من منزل أسرته حتى ينعم برعايتهم.. كانت تعليمات د. شهاب صارمة: "اللوائح على الجميع، وكل طالب في جامعته التي ألحقه بها مكتب التنسيق"!
قال الرجل: هل تعلم كم طالب في جامعات مصر تقدموا بطلبات مماثلة، ولو وافقت لأحدهم سأوافق للجميع؟! قال رقمًا مخيفًا يدعو للحزن على حال طلاب مصر ومعاناتهم ومعاناة أهلهم معهم وخلفهم.. صمت الوزير للحظات.. وحتى لا أظن انقطاع الخط اضطر للحديث وقد اختنق صوته.. ولم أصدق ما أسمع.. وزير التعليم العالي يبكي!! ماذا جرى؟! يا فندم.. حضرتك بخير؟! الو..!
تماسك الرجل قليلًا بعد جهد وقال: كان لي ابن توفي في نفس السن.. ولذلك أشعر بالمرارة لآلام الطالب الذي كتبت عنه، ولذلك تذكرت ابني الله يرحمه.. لكن لا أستطيع مخالفة اللوائح!
فقدنا مفيد شهاب العلامة والفقيه القانوني والإنسان الخلوق الوقور الشهر الماضي.. رحمه الله!
لقراءة الجزء الأول من سلسلة “دموع مفيد شهاب”: