ينتمي الشاعر أمل دنقل (1940 – 1983) إلى جيل الستينيات في الشعر المصري المعاصر، وركَّز على "شعر الرفض" والصدام السياسي، ولُقب بـ "أمير شعراء الرفض"، وتعتبر تجربته رمزًا للمقاومة والتمرد السياسي والاجتماعي، وقد نجح في توظيف التناص والرمز التاريخي، وبرع في استخدام الشخصيات التراثية والتاريخية كأقنعة للتعبير عن الواقع المعاصر، مثل توظيف شخصية أو أسطورة "زرقاء اليمامة" و"كليب" و"أبو موسى الأشعري" وغيرهم. وتتسم لغته بالقوة والحدّة، وغالبًا ما تكون مشحونة بالدراما والمواجهة. واعتمد على شعر التفعيلة بشكل أساسي مع الحفاظ على جرس موسيقي قوي. ومن أهم الموضوعات التي تناولها في قصائده: الرفض السياسي، ونقد معاهدات السلام، والهموم القومية العربية، ومعاناة الإنسان المطحون. ومن أشهر أعماله في هذا التوجه: ديوان "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" (1969)، وديوان "تعليق على ما حدث" (1971) وديوان "العهد الآتي" (1975) وقصيدة "لا تصالح" أو "أقول جديدة عن حرب البسوس" (1983)، وقصيدة "كلمات سبارتاكوس الأخيرة".
وقد استخدم التراث كركيزة أساسية لبناء نصوصه، ووظّفه كـ "سلاح سياسي" وقناع للمواجهة، واعتمد على ما يُعرف بـ "التوظيف الإسقاطي"، حيث يستدعي الشخصية التراثية ليعيد صياغة الواقع المعاصر من خلالها. إنه لم يستعرض التاريخ لذاته، بل كان يستخدم شخصيات مثل "زرقاء اليمامة" للتعبير عن البصيرة المفقودة لدى الحكَّام، أو كليب (في قصيدة "لا تصالح") كرمز للحق الذي لا يقبل المساومة. فضلا عن أنه أعاد توظيف الرموز الدينية برؤية إنسانية وسياسية؛ فاستلهم من القصص القرآني (مثل سورة "العاديات" في قصيدة "الخيول" على سبيل المثال) لبناء صور شعرية تنتقد العجز العربي المعاصر.
لقد استطاع دنقل تحويل الذاكرة الجماعية إلى قوة نقدية ورفض للواقع السياسي والاجتماعي.
يقول في "الخيول":
(اركضى أو قفى الآن .. أيتها الخيلُ :
لستِ المغيرات صبحا
ولا العاديات – كما قيلَ – ضبحا
ولا خضرة فى طريقك تُمحى)
وعلى ذلك نستطيع أن نقول إن التراث عند أمل دنقل ثائر ومتمرد، يهدف لصدمة الوعي. وفي قصيدته الشهيرة "لا تصالح" التي كتبها بعد حرب أكتوبر وقبيل معاهدة السلام، يستحضر حرب البسوس من التراث الجاهلي. ويوظف شخصية "كليب" المقتول ليوجّه وصاياه لأخيه "المهلهل". هنا، "كليب" هو الحق العربي الضائع، و"المهلهل" هو الشعوب العربية (المهلهلة). ونلاحظ أن الواقعة التاريخية تتحوَّل إلى دستور أخلاقي؛ فالصلح في القصيدة ليس مجرد اتفاق سياسي، بل هو "خيانة للدم". حيث يقول:
لا تصالح
ولو قال من مال عند الصدامْ
" .. ما بنا طاقة لامتشاق الحسام .."
عندما يملأ الحق قلبك :
تندلع النار إن تتنفَّسْ
ولسانُ الخيانة يخرس
لقد استخدم دنقل في قصيدته مفردات تراثية جزلة (مثل: الثأر، الدرع، الحسام ..) لكن بصياغة حداثية صادمة تكسر أفق التوقعات. إن التراث عنده أداة تحريض؛ فهو لا يستحضر التاريخ للاستذكار، بل لرفض المساومة في الحاضر.
وقد لاحظنا في "لا تصالح" أن التراث هو "الطلقة" التي يواجه بها الشاعر واقعه. وقد تبنى شعر التفعيلة كإطار أساسي، والموسيقى عنده كانت "انفجارية" ودرامية، اعتمد عليها كعنصر مواجهة، ولم تكن مجرد زينة أو حلية. وكانت البحور الصافية ذات التفعيلة الواحدة المتكررة (مثل المتقارب والكامل والمتدارك) تمنح نفَسًا حماسيًّا وخطابيًّا وقوة للقصيدة الدنقلية. وجاء التدوير الموسيقي ليربط الأسطر الشعرية ببعضها البعض، لدرجة تُجبر القارئ على عدم التوقف، مما يخلق حالة من الملاحقة والتوتر تشبه ملاحقة القدر والموت. وجاءت قوافيه متمردة أيضًا، فالشاعر لم يلتزم بقافية موحدة، بل كان ينوعها لتناسب "الحالة النفسية"؛ فتارة تكون ساكنة وموجعة، وتارة تكون حادة وحاسمة.
وقد لاحظنا أن هناك تكرارًا إيقاعيًّا في "لا تصالح"، نتج عن استخدم تكرار جملة "لا تصالح" كـ "لازمة موسيقية" تشبه ضربات الطبول، لترسيخ المعنى في الوجدان. وكان معجمه اللفظي "هجوميًّا لاذعًا" ومرتبطاً بالأرض والصراع، وتميز لفظُه بالخشونة الفنية والارتباط المباشر بالواقع المرير. لقد ارتبط معجمه بألفاظ الصراع التي تكثر في شعره فنرى مفردات مثل (الدم، السيف، السبي، الخيانة، القيد، الرصاص، الرماد). إنها لغة مستمدة من أجواء الحروب القديمة والحديثة. وهو لم يتردد في استخدام كلمات من صميم الحياة اليومية أو السياسية المعاصرة، لكنه كان يصهرها في سياق شعري حاد. كما حلَّقت في قصائده الرمزية التاريخية عن طريق استخدم مفردات تراثية ذات دلالة قوية (مثل: اليمامة، البسوس، سبارتاكوس، سيزيف) ليعطي للفظ بُعدًا تاريخيًّا يتجاوز معناه اللغوي البسيط. وجاء اللفظ عنده "فعل" وليس مجرد وصف؛ فكلماته توحي بالحركة والمواجهة.
وليس هناك شك في أن تجربة الشاعر تشكلت في بيئة الصعيد التي غرست في الشاعر روح الثأر والصلابة والقوة. لقد نشأ دنقل في قرية "القلعة" بمركز قفط في قنا، وهذا الصعيد لم يغادر قصائده أبدًا، فثقافة الثأر استمدها من بيئته الصعيدية، وكذا مفهوم "الدم الذي لا يضيع"، وهو ما تجلى في قصيدته "لا تصالح". فالصلح في عرف الصعيد خيانة، والكلمة أمانة تُقطع دونها الرقاب.
لا تصالح على الدم .. حتى بدم!
لا تصالح ! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ ؟
لقد انعكست جغرافيا الجبل والقسوة في ألفاظه الجزلة الحادة، وصوره الشعرية التي لا تعرف الميوعة والاستسلام، حتى بعد انتقاله للقاهرة، ظل يعيش كـ "غريب" أو "متصعلك" مثقف، يرفض المناصب والجوائز الرسمية، مفضلاً حياة المقاهي والمواجهة، مما جعله يعيش ويموت "فقيراً" ماديًّا لكنه غني بلقب "أمير الرفض".
لقد استطاع أمل دنقل أن ينقل "وجع الصعيد" وصدامه إلى قلب العاصمة، وظل متمردًا حتى في فراش موته بـ "الغرفة رقم 8" بمعهد الأورام.