رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ليست من قبيل الفلسفة ان نعترف بان الاعتياد ليس من الأمور المحمودة على طول الخط، فعلى سبيل المثال فان اعتياد النعمة قد يسلب صاحبها جزأ من الإحساس بها ومن الشكر، حتى اعتياد الطاعة قد يسلب صاحبها جزأ من مجاهدة النفس والشيطان، على ايه حال فان الاعتياد يجعل ردود الفعل تتغير، فعلى سبيل المثال نجد ان اللص او القاتل سيتأثر كثيرا في المرة الأولى التي يقدم فيها على هذه الأفعال فيما ستختلف انفعالاته وردود افعاله  كثيرا في المرة الثالثة او الرابعة، نرى أيضا كيف يغنى حفارو القبور أغاني مبهجة اثناء عملهم، او كيف يتعامل البعض مع جثث الموتى، او كيف اختلفنا نحن انفسنا فلا رد فعلنا عندما نتعرض لأخبار مزعجة او نقرا او نشاهد ذلك في نشرات الاخبار او على صفحات الجرائد او من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، هذا الاعتياد جاء من الكثرة و من شدة التكرار، وهذا يخلق حالة من الاعتياد البليد او البلادة لاعتيادية، فتنخفض درجات الانفعال و الدهشة عن ذي قبل و يبقى الانسان في حاجة الى شيء جديد او اكثر عنفا او قسوة او فجاجة لكى ينفعل مثلما انفعل منذ عقد او عقدين مضيا على أمور ابسط و اتفه بكثير.

الحقيقة ان تلك الطبائع الخاصة بالانتباه و الاعتياد ليستا مرتبطتين بشبكات التواصل الاجتماعي فقط و لكنهما أجزاء من الطبيعة البشرية في كيفية التفاعل مع الواقع المحيط، تخيل اكثر مشهدا من حيث الغرابة، على سبيل المثال ان تجلس في قاعة محاضرات و تجد المحاضر و قد دخل الى الغرفة يرتدى ملابس غريبة و يضع انية طعام كبيرة الحجم فوق راسه، ولا يلتفت ولا ينظر الى الحضور و انما يبدا في القاء المحاضرة بلا مبالاة متناهية، ماذا سيحدث، الانتباه و الاندهاش و السخرية و الاستهجان و غيرها من المشاعر ستتضاءل تدريجا اما إصرار المحاضر على اكمال المحاضرة، فستتحول الحواس الى الاستماع الى ما يقول و الى مشاهدة ما يعرضه على شاشة العرض و يبدأ الذهن في محاولة استيعاب ما يقول و تهمل الاعين التفاعل مع الملابس او مع انية الطعام، يقال ان هذا سيحدث بعد دقيقتين من بدء الحديث على الأكثر، لا ادرى و لكن هذا ما يحدث بالفعل في العصر الرقمي، ما نراه غريبا و ننفعل معه يتلاشى بعد أيام و ننشغل بالأمر الجديد، الذى يلفت الانتباه بغرابته او فجاجته او وقاحته او كذبه و افتراءه الذى سرعان ما ننساه بعدما يأتينا الجديد و هكذا نظل في هذه الدائرة المفرغة الى الابد، ابد المستخدم الذى ربما ينتبه فيترك هذا العبث او ينتقل الى الرفيق الأعلى فيتوقف عن المتابعة.

بالطبع لا يمكن الامتناع تماما فهو سيؤدى الى عزلة لذلك فان التقنين دائما ما يكون هو الحل، جرب نصف ساعة صباحا ونصف ساعة مساء فقط وقارن لتعرف الفرق ولتستعيد ما فقدته عبر سنوات من هستيريا المتابعة والمعرفة التافهة وزيادة الاعتماد وقلة الانتباه.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء