في كل مرة تصدر فيها الحكومية قرارات برفع لأسعار السلع أو الخدمات، تتجه أنظار المصريين الى نواب البرلمان ، وتسأل عن الأدوات الرقابية التى كفلها لهم الدستور و يمتلكها مجلس النواب لحماية الشعب من أى قرارات تعسفية أو غير مدروسة ، ليس فقط لانتقاد القرار، بل لمحاسبة الحكومة وحماية الصالح العام .
والواقع ان البرلمان يمتلك ترسانة متنوعة من أدوات الرقابة على قرارات رفع الأسعار، تبدأ بالسؤال وتنتهي بإسقاط الوزير او ىالحكومة .
لكن التحدي الحقيقي يكمن في الإرادة السياسية لاستخدام هذه الأدوات بفعالية، وتحويلها من نصوص دستورية إلى واقع يحافظ على حقوق الشعب .
فوفقاً لدستور 2014 وتعديلاته، واللائحة الداخلية للمجلس (القانون رقم 1 لسنة 2016)، لا تقتصر الرقابة البرلمانية على "رد الفعل" بعد وقوع الضرر، بل تمتد لتشمل مرحلتين مهمين هما رقابة سابقة لمنع القرارات الضارة، وأخرى لاحقة لمحاسبة المسؤولين عنها .
فخلافا للانطباع الشائع، يمتلك نواب البرلمان سلطة مؤثرة على السياسات السعرية قبل أن ترى النور، من خلال إقرار الموازنة العامة ، فلا يمكن للحكومة فرض أعباء مالية جديدة سواء كانت رسوم أو ضرائب غير مباشرة تتسبب في رفع الأسعار دون موافقة برلمانية صريحة أثناء مناقشة الموازنة.
ثم تأتي الموافقة على برنامج الحكومة قبل تولي أي حكومة مهامها، و تلزمها بتقديم برنامج يتضمن سياستها تجاه الأسعار والدعم، ولا تحصل على "الثقة" إلا بعد إقرار المجلس لهذا البرنامج.
و عندما يفاجأ المواطن بقرار حكومي كتحرير سعر الوقود أو رفع سعر السلع التموينية ، ينتقل البرلمان إلى وضع "المحاسبة" وهنا تتصاعد الأدوات وفقا لخطورة الموقف مستخدما صلاحية السؤال أوطلب الإحاطة ، و يوجهه النائب السؤال للوزير المختص لمعرفة أسباب القرار، ويكون الرد عادة كتابيا أو شفويا في الجلسة ، والسؤال وطلب الاحاطة هما أداة سريعة لكنها لا تملك توقيع عقوبات على الوزراء.
لكن الأدوات الحقيقية للكشف والمناقشة ، تكون في طلب المناقشة العامة بشرط توقيع 20 نائبا على الطلب ، بشرط ان يدرج الملف المراد مناقشته "الغلاء" على جدول الأعمال لمناقشة سياسة الحكومة واقتراح البدائل .
ثم يأتي دور لجنة تقصي الحقائق وهي الأداة الميدانية الأقوى التي يمتكلها نواب البرلمان ، حيث تشكل لجنة من المجلس للنزول إلى الأسواق والمخازن لكشف أسباب الاحتكار أو نقص السلع أو التعرف عن قرب على اسباب القرارات الحكومية ، وتُقدم تقريرا تكون توصياته ملزمة
ويصنف الاستجواب كأهم اداة رقابة برلمانية ، ولكنه الاكثر تعطيلا طوال ال 40 سنة الماضية ، ويمكن حصر اعداد الاستجوابات التي قدمها نواب الشعب طوال الحقب السابقة لانها تعد على اصابع الايدي ، فيمتلك الاستجواب سحب الثقة والاحالة الى جهات التحقيق واتهام الوزراء بالتقصير وفقًا للمواد 131 و155 من الدستور،واذا إنتهي الاستجواب بسحب الثقة من الوزير، يُجبر على الاستقالة الفورية ، ولكنها صلاحية لم تنجح من قبل بسبب الاغلبية الموالية للحكومة عادة في كل برلمان منتخب .
ويمتلك البرلمان المصري صلاحيات واسعة في الرقابة على قرارات تؤدي الى رفع الناتج من خلال القوانين كالضرائب والرسوم الحكومية ، والرقابة هنا سابقة ولا يجوز للحكومة تنفيذها دون موافقة مسبقة من المجلس.
أما رفع الاسعار الناتج عن قرارات إدارية (كتسعير الوقود أو الكهرباء) فالرقابة هنا لاحقة ، فيحق للبرلمان التدخل لمحاسبة الحكومة على الآثار الاقتصادية والاجتماعية للقرار، ومدى كفاية "الحماية الاجتماعية" المصاحبة له.
الخلاصة ان القوة الحقيقية لمجلس النواب في مواجهة قرارات الحكومة خاصة رفع الأسعار لا تكمن فقط في الصلاحيات الدستورية ، ولكن في استخدام تلك الصلاحيات وتفعيلها للصالح العام .
محمد رفعت