"افتحوا المضيق اللعين، أيها المجانين، وإلا ستعيشون في الجحيم. فقط شاهدوا". بهذا التهديد والوعيد لإيران اختتم الرئيس الأمريكي ترامب تدوينته أمس الأحد على منصته "تروث سوشيال - TRUTH Social"، اليوم الإثنين تنتهي مهلة العشرة أيام التي كان ترامب منحها للنظام في إيران، ومع انتهاء المهلة يقف العالم متأهباً لجحيم الرئيس الأمريكي الذي لا ينتظر إيران فقط، بل ينتظر المنطقة والعالم أجمع، لأن تداعيات وارتدادات هذا الجحيم لن تقف عند حدود إيران فقط، وسيحترق بنارها الجميع.
في ذات التدوينة الرئيس الأمريكي ألمح لبعض مشاهد هذا الجحيم؛ ترامب قال: "الثلاثاء سيكون يوم محطات الكهرباء والجسور.. لن يكون هناك يوم مثله!!”. وهو ما يحمل طابعاً تصعيدياً حاداً يتجاوز منطق الضغط الأقصى من أجل إجبار إيران على التفاوض. وكل المؤشرات والتطورات الميدانية تؤكد تصاعد قوة ووتيرة الضربات الأمريكية خاصة ما بعد استعادة الطيار الأمريكي من داخل إيران.
نحن إذن بصدد تصعيد جديد ــ قد يكون بدأ وقت نشر هذه السطور ــ وهو ما ينتظر أن يواجه برد وتصعيد إيراني، أظنه هذه المرة غير محسوب، تصعيد عشوائي، تصعيد ميلشيات أكثر كونه رد عسكري مخطط. وهنا مكمن الخطورة، لأن بعد تضييق الخناق على النظام في إيران باستهداف البنية التحتية المدنية، ومحطات الوقود والطاقة، لن يبكي النظام في طهران على شيء وهو يواجه خطر وجودي، ولن يكون أي خطوط حمراء رادعة، والضحية المباشرة هنا دول الخليج قبل الولايات المتحدة وإسرائيل. لذلك على العالم أن يتهيأ لزلزال طاقة عالمي، وأن يستعد لسعر ما فوق الـ 150 دولارا لبرميل النفط، وفوضى إقليمية أوسع، وتأثيرات أعمق وأكثر سلبية على الاقتصاد العالمي.
مع هذا المستوى غير المسبوق من التصعيد؛ لا تزال الإدارة الأمريكية رهينة "القوة غير المتكافئة"، نظريا ورقميا تميل الكفة العسكرية لصالح الولايات المتحدة، وهو ما يجعل الرئيس الأمريكي رغم رغبته في انهاء الحرب على إيران، أن يظل فريسة لهذه المقاربة. أضف إلى ذلك رغبته في الحصول على أي سردية للنصر يذهب بها إلى انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر القادم. لكن الرياح تسير عكس ما يريد، والنظام والدولة في إيران لا يزال يقاوم، والداخل الأمريكي بدأ في التململ من تلك الحرب غامضة الأهداف.
والاستطلاعات الأمريكية تشير إلى أن الحرب على إيران أقل شعبية من أي حرب أمريكية أخرى منذ الحرب العالمية الثانية، حيث أظهرت استطلاعات الرأي باستمرار أن حوالي 60٪ من الأمريكيين يعارضونها. والتاريخ أيضا يقول إنه عندما تواجه القوة الأكبر، قوة عسكرية أصغر حجماً تُظهر عزيمة أكبر، بالتالي لا يصبح أمام القوة العظمي سوى مسارين: إما أن تستسلم لغرور القوة وتُصعّد الصراع ، كما حدث في فيتنام والعراق وأفغانستان، أو أن تُنهي الصراع تدريجياً في محاولة لحفظ ماء الوجه. لكن الغالب أن قادة الطرف الأقوى يختارون خيار التصعيد. لم يكن بوسعهم التخلص من فكرة أن استخدام المزيد من القوة هنا أو هناك سيحسم الصراع كما يفعل الرئيس ترامب. والذي يبدو أنه لم يستفيد من خطأ الرئيس أوباما حين ظن أن إرسال 30 ألف جندي أمريكي إضافي إلى أفغانستان كفيل بإخضاع طالبان وهو ما لم يحدث. وكما تُظهر تجارب كوريا وفيتنام والعراق وأفغانستان، فإنّ سيطرة غرور القوة والتصعيد ضد خصم عنيد مثل إيران سيُكلّف الولايات المتحدة على الأرجح ومعها المنطقة، بل والعالم ثمناً باهظاً. أما الخيار الآخر – وهو إنهاء الحرب تدريجياً – فلا يزال متاحاً لترامب. وبإمكان الرئيس الأمريكي أن يسلك نهج الصفقات الذي يحبه وينهي الحرب مع إيران، إما بالقول إن المهمة قد أُنجزت ثم الانسحاب، أو بالدخول في مفاوضات جادة ومستدامة لإنهاء الحرب. وفي كلتا الحالتين، سيتعين عليه التنازل عن شيء ما، لأنه في النهاية لا أحد يريد فيتنام جديدة في قلب الشرق الأوسط.