هناك جملة قديمة كانت اقرب للفلسفة منها إلى الواقع ، تقول "لم يعد ما نراه بأعيننا دليلًا كافيًا على الحقيقة" ، لكنها الآن أصبحت حقيقية جداً وواقعية بل توصيفًا دقيقًا لعصر تتداخل فيه الحقيقة بالوهم، إلى درجة يصعب معها الفصل بينهما ، فخلال الأيام الماضية، انتشر مقطع فيديو للإعلامي أحمد موسى، وظهر فيه يرتدي بدلة تعمل بالطاقة الشمسية، في مشهد بزواية متعددة بين الصدمة والطرافة ، لكنه في الحقيقة لم يكن سوى نموذج صارخ لما يُعرف بـ"التزييف العميق".
تم تداول الفيديو بشكل واسع عبر المنصات وأكثرها الفيسبوك ، ولم يستغرق وقتًا طويلًا حتى يتحول إلى "تريند" تتناقله الصفحات، وتعيد نشره ، وتُبنى عليه موجات من التحليلات والتعليقات الساخرة، المثير للانتباه لليس سرعة النشر قدر قوة التفاعل إذ تعامل معه القطاع الأغلب من الجمهور باعتباره حقيقيًا، بينما أدرك آخرون لاحقاً زيفه.
والمفارقة الأكثر خطورة من تفاعل الجمهور، هو تعامل بعض المواقع الإلكترونية والصفحات التي تُحسب على المجال الإعلامي مع الفيديو، حيث أعادت نشره أو التعليق عليه دون تحقق كافٍ، وكأنه مادة خبرية تستحق التداول.
وهنا لم يعد الحديث عن مواقع التواصل الاجتماعي التي تخترق تشريعات وقوانيين المهنة ولا تتحرى الدقة وتسعى ركداً خلف التريند ، ولا الحديث عن سقطة فردية او خطأ عابر، بل تعلقت الأزمة بتصاعد وخطر في بنية العمل الإعلامي ذاته .
فلم يعد التزييف العميق، أو ما يُعرف بـ Deepfake مجرد تقنية متقدمة تُستخدم في نطاقات ضيقة، بل أصبح أداة متاحة قادرة على إنتاج محتوى بصري وصوتي شديد الإقناع، يصعب على غير المتخصصين اكتشاف زيفه ، وتلك القدرة في محاكاة الواقع لا تهدد الأفراد فقط بل تضرب في صميم فكرة المصداقية، التي يقوم عليها العمل الإعلامي من الأساس.
وهذا تجلى أيضاً منذ فترة قصيرة رؤى العين في الصور التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي فيما عرف بقضية "ابيستن" ، والتي تم تداولها لشخصيات كثيرة جداً على مستوى العالم كله دون التحقق ومعرفة ايهما حقيقي وايهما مزيف !!
فما يحدث وما ظهر في واقعة الفيديو يكشف عن تحوّل مهم: الإعلام لم يعد فقط وسيطًا لنقل الحقيقة، بل أصبح في بعض الأحيان طرفًا في إعادة إنتاج الوهم ، في السابق، كان يُنظر إلى المؤسسات الإعلامية باعتبارها "حارس البوابة" الذي يمر من خلاله المحتوى بعد التحقق والمراجعة ، وكانت كل التحذيرات المرتبطة بالاخبار الكاذبة والشائعات تتمحور حول مواقع التواصل الاجتماعي ، أما اليوم في ظل سباق السرعة والمنافسة على جذب الانتباه، تراجع دور الاعلام لصالح منطق "النشر أولًا، والتصحيح لاحقًا"، إن حدث التصحيح من الأساس.
هذا التحول لا يمكن فصله عن البيئة الرقمية التي نعيش فيها، حيث تلعب الخوارزميات دورًا محوريًا في تحديد ما نراه. فالمحتوى الأكثر إثارة أو غرابة أو طرافة هو الأقدر على الانتشار، بغض النظر عن صحته ودقته .
فالتزييف العميق اصبح مادة مثالية للانتشار؛ لأنه يجمع بين الإبهار البصري والصدمة، وهما عنصران كفيلان بدفع أي محتوى إلى صدارة المشهد.
في المقابل، لم يعد الجمهور متلقٍ سلبي كما سابق عهده في وسائل الاعلام التقليدية ، بل تحول إلى فاعل رئيسي في دورة إنتاج وتوزيع المحتوى "بضغطة ز" ، يمكن لأي مستخدم أن يشارك فيديو، أو يعلق عليه، أو يعيد صياغته، دون أن يمتلك بالضرورة أدوات التحقق أو حتى الوعي الكافي بخطورة ما ينشره ، ومن هنا تتسع دائرة التضليل نتيجة تفاعل دائري ومعقد بين صانع المحتوى، والمنصة، والجمهور.
اللافت في هذه الواقعة أن بعض ردود الفعل لم تتوقف عند حدود السخرية، بل امتدت إلى التشكيك العام في كل ما يُعرض بصريًا ، هذا النوع من "الشك الشامل" قد يبدو في ظاهره صحيًا، لكنه يحمل في طياته خطرًا أكبر؛ إذ يؤدي إلى تآكل الثقة ليس فقط في المحتوى الزائف، بل في المحتوى الحقيقي أيضًا ، وعندما تتساوى الحقيقة مع الكذب في نظر الجمهور، يفقد الإعلام أحد أهم أدواره، وهو بناء الثقة.
من زاوية أخرى، تكشف هذه الحالة عن فجوة واضحة في آليات التحقق داخل بعض المؤسسات الإعلامية ، وللاسف الكبرى منها أيضاً فالصدمة الحقيقية في أسماء المواقع التي عرضت الفيديو ، فالتعامل مع محتوى رقمي متطور يتطلب أدوات جديدة، وخبرات تقنية، وسياسات تحريرية أكثر صرامة ، لم يعد كافيًا الاعتماد على الخبرة التقليدية أو "حس الصحفي"، بل أصبح من الضروري دمج مهارات التحقق الرقمي، واستخدام أدوات كشف التزييف، ضمن الممارسة اليومية للعمل الإعلامي.
وإشكالية الواقعة تطرح تساؤلًا مهمًا حول المسؤولية: من يتحمل مسؤولية انتشار المحتوى الزائف؟ هل هو صانعه فقط؟ أم المنصة التي سمحت بانتشاره؟ أم الوسيلة الإعلامية التي أعادت نشره؟ أم الجمهور الذي ساهم في تداوله؟ والإجابة تؤكد أن المسئولية ليست أحادية، بل موزعة بين كل هذه الأطراف، وهو ما يزيد من تعقيد المشكلة، ويجعل مواجهتها أكثر صعوبة.
ورغم قتامة المشهد، فإن هذه الأزمة يمكن أن تمثل فرصة لإعادة التفكير في أسس العمل الإعلامي. فبدلًا من الانجراف وراء السرعة، يمكن للمؤسسات أن تعيد الاعتبار لقيمة التحقق " فتبينوا" ياسادة ، وبدلًا من الاكتفاء بدور الناقل، يمكن للإعلام أن يلعب دورًا توعويًا، يشرح للجمهور طبيعة هذه التقنيات، وكيفية التعامل معها، فالمعركة لم تعد فقط نقل الخبر، بل التفسير وفهم السياق والسردية وما وراءها
في النهاية، لم تكن قصة "بدلة الطاقة الشمسية" سوى عرض لمرض أعمق يكاد يكون مرض العصر ، يتعلق بعصر باتت فيه الحقيقة محل تفاوض بل وتتوسل التصديق ، منذ أصبحت الصورة قابلة للتلاعب، والصوت قابلًا للتزوير، وفي ظل هذا الواقعة بات السؤال مفتوح دائما والشك كبير يضع الإعلام والجمهور معًا أمام مسؤولية مشتركة، في زمن لم تعد فيه الحقيقة مضمونة، بل تحتاج إلى من يبحث عنها ، نأمل ان يصل بنا لوجهة إعمال العقل والتفكير والتحقق.