• يمثل موقف جمهورية جنوب أفريقيا من الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران نموذجًا لفاعل يسعى إلى الموازنة بين مبادئ القانون الدولي والإرث التاريخي الداعم للعدل والمقاوم للعنصرية، وبين احتواء الضغوط القوية التي تمارسها الولايات المتحدة.
• لذا سعت جنوب أفريقيا للحفاظ على هامش مناورة دبلوماسي، يمكنها من تجاوز قيود الاستقطاب بين القوى الكبرى، فأكدت رسميًا رفض التصعيد العسكري. واعتبرت وزارة العلاقات الدولية والتعاون أن ضرب إيران يمثل انتهاكًا للمادة 4/2 ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة ...".
• كما رفضت جنوب أفريقيا قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، عقب تصريح للسفير الأمريكي لديها، يصف علاقتها مع إيران كـ "عقبة" أمام علاقات جيدة مع واشنطن. إذ أكدت بريتوريا أن سياستها الخارجية تقوم على عدم الانحياز والاستقلالية، وأن علاقاتها الثنائية مع مختلف الدول لا ينبغي أن تخضع لاعتبارات الاصطفاف السياسي.
• كما شاركت جنوب أفريقيا في البيان الصادر عن "مجموعة بريكس" الذي أعرب عن القلق من استهداف المنشآت النووية "السلمية" الإيرانية، بوصفه انتهاكًا للقانون الدولي والقرارات ذات الصلة للوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما دعا البيان إلى حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، بما يتوافق مع القانون الإنساني الدولي.
• في المقابل، انتقدت بريتوريا مهاجمة إيران لدول الخليج العربية بوصفها غير متسقة مع حق الدفاع المشروع. ودعت إلى تسوية النزاع عبر الوسائل الدبلوماسية، مؤكدة أن استمرار الحرب يهدد الأمن والسلم الدوليين.
• إلى جانب البعد السياسي، يُظهر الموقف الرسمي لجنوب أفريقيا اهتمامًا واضحًا بالتداعيات الاقتصادية للحرب. إذ اتخذت الحكومة إجراءات من بينها تخفيض ضريبة الوقود لمواجهة ارتفاع الأسعار الناتج عن اضطراب أسواق الطاقة العالمية.
• كما عكس الإعلام الرسمي توجه الحكومة. إذ ركّز على إبراز دعوة بريتوريا إلى السلام واحترام القانون الدولي، بينما اهتمت وسائل الإعلام الخاصة بتحليل التداعيات الاقتصادية للحرب، مثل ارتفاع أسعار الوقود، وانخفاض قيمة العملة المحلية (الراند) إلى أدنى مستوى منذ ثلاثة أشهر، وزيادة الضغوط التضخمية. وبينما انتقدت بعض المنصات الإعلامية السياسات الأمريكية والإسرائيلية، سعت أخرى إلى تقديم تغطية أكثر توازنًا تعكس تعقيد المشهد الدولي.
• شعبيًا، شهدت جنوب أفريقيا احتجاجات محدودة أمام القنصلية الأمريكية في جوهانسبرج ضد الحرب، حيث يميل الرأي العام عمومًا إلى دعم قضايا العدالة الدولية. لكن ذلك لم يمنع العديد من قادة الأعمال بجنوب أفريقيا من إظهار مخاوفهم من تضرر مصالحهم جراء العلاقة بين بريتوريا وطهران.
• أما فيما يتعلق بإمكانية توسط جنوب أفريقيا لوقف إطلاق النار، فقد أعرب رئيسها "سيريل رامافوزا" عن استعداد بلاده للقيام بذلك في حال طلب منها، مستندًا إلى تجربتها التاريخية في المصالحة، ومكانتها داخل النظام الدولي. لكن نجاح هذا الدور يظل رهينًا بقبول الأطراف المتنازعة، وهو أمر غير مضمون، في ظل توقعات بتحفظ الولايات المتحدة وإسرائيل، خاصة على خلفية مواقف بريتوريا من إسرائيل منذ "طوفان الأقصى" (أكتوبر 2023).
• في المحصلة، يعكس موقف جنوب أفريقيا حرصًا على استقلالية قراراتها في العلاقات الدولية، وإدراكها للقيود المفروضة عليها في نظام دولي غير متكافئ. وبينما يظل دورها كوسيط محتمل قائمًا، فإن فاعليته ستعتمد على قبول الأطراف المعنية، وقدرة جنوب أفريقيا على إدارة توازن دقيق بين الاستقلالية والتأثير.