الصدقات الجارية للقوى الناعمة المصرية.. عندما تحول الفن إلى مآذن وعيادات ومراكز إسلامية
يتوقف تاريخ المؤسسات الخيرية المصرية عند مساهمات كبار الفنانين المصريين ، في كل مرحلة من تاريخ الفن المصري كانت مساهمات الفنانين سابقة لغيرها من فئات المجتمع الأخرى ، بداية من جمعية الحمير التي أسسها رائد المسرح زكي طليمات ، وصولا لأعمال الخير التي مازالت تتدفق من نجومنا المعاصريين .
التاريخ الطويل لمساهمات أهل الفن الخيرية كان يستلزم عمليات بحث دقيقة ، للوصول لتفاصيلها ، فمعظم تلك المساهمات لم نعرف عنها إلا بعد رحيل أصحابها، وبعضها كانت شهرة ومكانة الفنان سببا في نجاحها، في الجزء الأول من هذا الملف اخترنا ثلاث فنانات من فنانات الزمن الجميل، ليس كتسلسل تاريخي، ولكن لتسليط الضوء على نماذج فريده من أعمال الخير التي قد تغيب عن ذاكرة الفن المصري.
البداية ستكون من عند سيدة الغاء العربي أم كلثوم التي أسست "جمعية نهضة مصر" فكانت نموذجاً تنموياً فريداً سبق عصره بمسافات ، فكانت نهضة مصر مشروعاً طموحاً لإعادة بناء الريف المصري منذ منتصف الأربعينات.
حلمت أم كلثوم بمحو الأمية، فشيدت مدارس في أفقر القرى، وكانت تشرف بنفسها على بنائها، وحلمت بتمكين المرآة اقتصادياً، فأقامت ورشا للخياطة والتريكو تعلم الفتيات حرف يدوية، وأخيراً حلمت بتحسن المستوى الصحي فأسست مستوصفات طبية في قلب الريف المصري الذي لا يصل إليه أحد.
في قريتها الصغيرة " طماي الزهايرة " بمحافظة الدقهلية، نفذت أم كلثوم أحلامها على أرض الواقع ، أصرت على أن تكون المدرسة التي بنتها هناك نموذجية، بملاعب ومعامل – وهو ترف لم تكن تعرفه القرى المصرية آنذاك ، لكن الأكثر جرأة كان قرارها بأن تكون المدرسة مختلطة، في وقت كان فيه تعليم الفتيات الريفيات مجرد حلم .
إذا كانت حفلات أم كلثوم تُبهر العالم بصوتها، فإنها في فترة ما بعد نكسة 1967 تحولت إلى آلة حرب اقتصادية لا تضاهى ، أطلقت " قطار الرحمة " الذي جاب المحافظات لجمع التبرعات، خاصة لدعم المهجرين من مدن القناة وبناء مستشفيات عسكرية.
إلى جانب ذلك استثمرت حفلاتها الخارجية – في باريس، الكويت، ليبيا وتونس – لجمع العملة الصعبة، وكانت أول فنانة في تاريخ الشرق الأوسط تفهم أن الفن يمكن أن يكون مصدراً للتمويل الذاتي للدولة.
وفي عام 1969، أطلقت أم كلثوم عبر الإذاعة المصرية حملة تبرعات على الهواء مباشرة ، نادت الأثرياء المصريين بالتبرع لعلاج مرضى الأورام، ونجحت في جمع ما يكفي لبناء معهد الأورام القومي في المنيل، وخصصت ريع حفلاتها لتجهيز المعهد الذي لا يزال حتى اليوم واحداً من أهم مراكز علاج السرطان في مصر، وكأنها أرادت أن تستمر في شفاء المصريين حتى بعد وفاتها.
لم تنسٍ أم كلثوم أهل مهنتها، ففي عام 1942، خاضت معارك قانونية شرسة لتأسيس نقابة المهن الموسيقية، كان هدفها توفير معاش للموسيقيين المسنين الذين انكسرت أوتارهم، وتأمين صحي لعازف متواضع من الدنيا شيء، فتمسك بها أهل الفن لتتولى منصب النقيب سبع دورات متتالية، ووضعت اللوائح المالية التي ضمنت استدامة صندوق التكافل ، كان همها أن من أطرب الناس لا يموت جوعاً.

هاجر حمدي .. الفنانة المثقفة
أما الفنانة الثانية التي تأتي بعد كوكب الشرق فقد اخترت ان تكون الفنانة الراحلة هاجر حمدي التي عُرفت بلقب "الراقصة المثقفة" التي قامت بتأسيس مركز إسلامي وخيري كبير بعد اعتزالها الفن بعد أدائها فريضة الحج عام 1975 ، وكان تلك نقطة تحول كبرى في حياتها، وفي تاريخ الأعمال الخيرية لأهل الفن.
يقع المركز والمسجد التابع له في منطقة الجيزة (تحديداً بجوار فيلتها في منطقة الهرم أو طريق المنصورية - المحمودية ، فأقامت الفنانة في سنواتها الأخيرة في فيلتها الملحقة بهذا المجمع الخيري لتشرف على إدارته بنفسها.
لم يكن المركز الإسلامي مجرد مسجد للصلاة، بل مجمعاً خيرياً متكاملاً يضم مستشفى خيرياً لتقديم الخدمات الطبية ومدرسة لتعليم الأطفال و دار رعاية الأيتام لإيواء ورعاية الأطفال فاقدي الأهلية و دار رعاية كبار السن لخدمة المسنين.
إلى جانب مدرسة للمكفوفين تخصصت في تعليم وتأهيل ذوي الإعاقة البصرية.
ولم تنس تخصيص دار لتحفيظ القرآن الكريم، حيث كانت تحرص على متابعة تحفيظ القرآن للأطفال والشباب بنفسها .
اعتمدت هاجر حمدي بشكل أساسي على التمويل الذاتي من ثروتها الخاصة التي جمعتها من عملها في الفن ثم من تجارتها الناجحة في مجال "الأزياء"، حيث افتتحت محلاً شهيراً بوسط القاهرة بعد اعتزالها.
وأوصت الفنانة قبل وفاتها بأن تتولى ابنتها (عزة عيسى ابنة الإذاعي الكبير على عيسى) إدارة المركز من بعدها، ثم أحفادها، لضمان استمرار تقديم خدماته بالمجان ، وقد جعلت ابنتها تقسم على المصحف بأن لا يُغلق هذا المركز أبداً.
يؤكد المراقبون أن المركز لا يزال قائماً ويواصل أداء رسالته الخيرية حتى اليوم، تحت إشراف عائلة هاجر حمدي، تنفيذاً لوصيتها ، كما أوصت الراحلة بأن تُخرج جنازتها من مسجد السيدة نفيسة، وأن لا تُقام لها أي مراسم عزاء، تأكيداً على رغبتها في البساطة والابتعاد عن مظاهر الشهرة.

شادية .. أعمال خير سراً وعلانية
أما ثالث فنانة فهي بنت مصر الأصيلة دلوعة السنما الفنانة الراحلة شادية أو (فاطمة شاكر) التي تعد نموذجاً استثنائياً في تاريخ العمل الاجتماعي في مصر، ليس فقط لحجم تبرعاتها، بل لتحويلها "العمل الخيري" من مجرد مساعدات عابرة إلى "أوقاف مؤسسية" طبية مستدامة.
تميزت شادية بأنها لم تكتفي ببناء مساجد، بل ركزت على المجمعات الطبية المتخصصة التي تخدم قطاعات عريضة من الشعب.
فكانت البداية من مجمع شادية الطبي (فيلا الهرم حيث يُعد هذا المشروع أهم إنجازاتها المؤسسية ،و قامت بالتبرع بفيلا في شارع الهرم (بكل مساحتها ومحتوياتها) لتتحول إلى مركز لاكتشاف وعلاج الأورام.
المركز يتبع حالياً إدارة طبية متخصصة ويقدم خدمات الفحص المبكر والعلاج الكيميائي لآلاف المرضى سنوياً بأسعار رمزية أو بالمجان تماماً.
كما تبرعت بشقتها الواسعة في حي لاظوغلي العريق لتكون مقراً لجمعية خيرية تُعنى برعاية الأيتام وتجهيز العرائس اليتيمات، وهي مسجلة رسمياً لدى وزارة التضامن الاجتماعي.
وأسست الراحلة شادية مسجداً يحمل اسم "الرحمن الرحيم" في منطقة المهندسين (بجوار شارع وادي النيل) ، ولم يكن للصلاة فقط، بل صُمم كـ "مجمع خدمي" يضم مستوصفاً طبياً يقدم خدمات الرعاية الأولية و فصولاً لتقوية الطلاب غير القادرين ومحو الأمية ، و مكتباً مخصصاً لإدارة "الرواتب الشهرية" التي كانت تصرفها لمئات الأسر ، وأدارت شادية "مؤسسة إغاثية" غير معلنة من خلال مكتبها الخاص ، و كان لديها قائمة بيانات تضم مئات الأسر من الفقراء، وعمال الاستوديوهات القدامى، والأرامل.
وعُرفت شادية ايضا بدعمها الخفي لمستشفى أبو الريش للأطفال ومستشفى القصر العيني، حيث كانت تشتري أجهزة طبية كاملة (مثل أجهزة الغسيل الكلوي) وتطلب عدم وضع اسمها عليها ، حتى في سنوات عزلتها، لم تتوقف عن دورها الوطني ، فكانت اول المتبرعين بمبالغ ضخمة لصالح المشروعات القومية وتطوير العشوائيات.
وختمت أعمالها باهداء الدولة ممثلة في وزارة الثقافة مجموعة نادرة من مقتنياتها التاريخية لدعم المتاحف الفنية، وهو نوع من "الوقف الثقافي".
