رواية «لا لون هناك» تكشف أزمات ما بعد التقاعد في ندوة بنادي اليخت| خاص
شهد صالون شريف العصفوري، الذي تنظمه اللجنة الثقافية بنادي اليخت، ندوة أدبية لمناقشة رواية «لا لون هناك» للكاتب محسن الغمري، وذلك بحضور نخبة من المثقفين والمهتمين بالشأن الأدبي.
مرحلة ما بعد التقاعد
تناولت الندوة الأبعاد الإنسانية العميقة التي تطرحها الرواية في معالجتها لمرحلة ما بعد التقاعد، من خلال شخصية الراوي، وهو طيار متقاعد يواجه تحولات نفسية حادة بعد انتهاء مسيرته المهنية، ويكتشف أنه ليس الوحيد الذي أثقلته إخفاقات الحياة وتراكم التجارب القاسية.
وأكد الكاتب محسن الغمري في تصريحات خاصة لـ إيجبتك: أن هذا العمل يعبر بصدق وعمق عن حالة التأمل التي يعيشها الإنسان في هذه المرحلة من العمر، حيث تبدأ الأدوار الاجتماعية المعتادة في التراجع، بينما تزداد الأسئلة المرتبطة بوجوده، مثل معنى الحياة، والهوية، والمصير.

كما سلطت المناقشات الضوء على البنية السردية للرواية، التي تعتمد على تشابك الحكايات وتداخلها، إذ يقوم الراوي باستعراض تجارب عدد من أصدقائه وشخصياته المحيطة، لتتداخل القصص الشخصية مع أزمات اجتماعية متعددة، من بينها قضايا الطلاق والتفكك الأسري، إلى جانب أزمات اقتصادية معقدة تعكس واقع الإنسان المعاصر في ظل الضغوط المتزايدة للحياة الحديثة.

العلاقات الأسرية والتحولات النفسية
وتطرقت الندوة إلى أبرز القضايا التي تطرحها الرواية، وفي مقدمتها إشكاليات العلاقات الأسرية وما يعتريها من تغيرات وتصدعات، إضافة إلى التحولات النفسية العميقة المرتبطة بمرحلة الشيخوخة وما بعدها، وكذلك تأثير الأوضاع الإقليمية والدولية المضطربة على الأفراد، رغم ما يشهده العالم من تقدم علمي وتكنولوجي متسارع لا ينعكس دائمًا بصورة إيجابية على استقرار الإنسان النفسي أو الاجتماعي.
وأوضح شريف العصفوري، القائم على الصالون الأدبي، أن طبيعة هذه اللقاءات تهدف إلى منح الكاتب مساحة كافية لعرض عمله الأدبي وشرح خلفياته الفكرية والدوافع التي قادته إلى كتابته، دون الخوض في تفاصيل قد تؤثر على حبكة الرواية أو تقلل من متعة التلقي لدى القارئ، بما يتيح للحضور تكوين رؤيتهم الخاصة حول النص.
لا لون هناك
وخلال المناقشة، أُثيرت دلالات عنوان الرواية «لا لون هناك»، حيث رأى الحضور أنه يعكس حالة من الرمادية واللايقين، وربما يشير إلى رؤية غير متفائلة للعالم أو للحياة، بينما جاءت افتتاحية العمل محمّلة بمفارقة لافتة تجمع بين أجواء الفرح الظاهري والتأمل الإنساني العميق، ما يفتح الباب أمام قراءات متعددة للنص.

كما ناقش الحضور بعض الاختيارات الفنية في بناء النص، من بينها توظيف اللغة الأجنبية في بعض المواضع، وهو ما اعتُبر خروجًا محسوبًا عن النمط التقليدي للكاتب، حيث جاء هذا التوظيف لخدمة البناء الدرامي وإبراز التباينات داخل السرد، وإضفاء طابع واقعي على بعض المواقف والشخصيات.
وتناول النقاش بناء الشخصيات داخل الرواية، وخاصة شخصية البطل «كمال» الطيار المتقاعد، حيث أوضح الكاتب حرصه على تقديم نموذج إنساني عام لا يرتبط بكيان واقعي محدد، تفاديًا لأي تأويلات مباشرة أو إسقاطات ضيقة قد تُقيّد دلالة الشخصية.

كما تم التطرق إلى دلالات الأماكن والبيئات المختلفة داخل الرواية، والتي عكست طبيعة حياة البطل المهنية المرتبطة بالسفر والتنقل بين دول وثقافات متعددة بحكم عمله كطيار، ما أضفى بعدًا واقعيًا وحيويًا على الأحداث وأثرى التجربة السردية.
وأكد الحضور في ختام الندوة أن رواية «لا لون هناك» لا تقتصر على رصد المعاناة الإنسانية أو تصوير الأزمات النفسية والاجتماعية، بل تقدم رؤية فلسفية تؤكد استمرار الحياة رغم الأزمات، والدعوة إلى التمسك بالأمل في مواجهة التحديات.
واختتمت الندوة بتفاعل من الحضور، الذين طرحوا العديد من التساؤلات والنقاشات حول دلالات العمل وأبعاده الفكرية والفلسفية، في أجواء اتسمت بالحوار الثري والتفاعل الثقافي العميق.