رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت


في إطار متابعتي المستمرة للتطورات الإقليمية المتسارعة في الشرق الأوسط، واستكمالاً للحوارات التي تابعتها   مؤخراً حول دور الحوثيين كوكيل إيراني في البحر الأحمر، وتأثيرات ذلك على الأمن القومي العربي وقناة السويس، أري أن  الملف الإيراني  يستحق وقفة تحليلية عميقة.
 لاحظت، فإن قدرة إيران تكمن  في بناء شبكة وكلاء مرنة وصامدة، وهو ما يتجلى اليوم في مواجهتها المباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. 
في خضم هذا الصراع الدائر، يبرز تناقض استراتيجي واضح يستحق التأمل الدقيق: نجاح عملياتي لافت، مقابل فشل استراتيجي محتمل.  هذا استنتاج مبني على الحقائق المتوفرة.
 أولاً، لا شك أن إيران اليوم أضعف مما كانت عليه قبل اندلاع التصعيد العسكري المباشر. لقد ألحقت الضربات الأمريكية والإسرائيلية أضراراً جسيمة بقدراتها العسكرية، وأظهرت التفوق الاستخباراتي والعملياتي للجانبين. غير أن هذا التفوق لا يترجم تلقائياً إلى انتصار استراتيجي. فإيران أثبتت، مراراً وتكراراً عبر تاريخها، قدرتها  على إعادة البناء والتكيف. 
والأهم من ذلك أنها تحتفظ، رغم كل الضربات، بمخزون كبير من اليورانيوم المخصب، وهي قدرة كامنة يصعب القضاء عليها بالقصف الجوي وحده. 
ان إحصاء الأهداف المدمرة شيء، وتحقيق تغيير استراتيجي دائم شيء آخر تماماً.
ثانياً، يزداد المشهد تعقيداً على الصعيد الإقليمي. فبينما كان الهدف الضمني للحملة هو عزل إيران وتشكيل جبهة إقليمية متراصة ضدها، نرى العكس يحدث في كثير من الحالات. دول خليجية مثل عمان وقطر تدفع باتجاه خفض التصعيد، وبعضها ينتقد دور إسرائيل علناً.
 قطر تحافظ على قنوات تواصل وظيفية مع طهران، والإمارات والبحرين — رغم تطبيعهما السابق تبديان قلقاً واضحاً. 
أما السعودية، فمن غير المرجح أن تمضي في مسار التطبيع الكامل مع إسرائيل  في ظل الظروف الحالية المرتبطة بالقضية الفلسطينية. هكذا تبدو فكرة «الاصطفاف الإقليمي المتماسك ضد إيران» مبالغاً فيها إلى حد كبير.
ثالثاً، يتعلق الأمر بجوهر الهدف الاستراتيجي: فلم يكن المقصود مجرد تدمير منشآت أو تقليص قدرات، بل تغيير المشهد الاستراتيجي برمته، وربما تهيئة الظروف لتغيير النظام. 


هذه النتيجة لم تتحقق حتى الآن. بل على العكس، عزز الصراع من نفوذ الحرس الثوري داخل صنع القرار، وأدى إلى اختفاء ما تبقى من مراكز قوى متنافسة داخل النظام. 
أصبح النظام أكثر صلابة إيديولوجية وتطرفاً، وهو الآن يواجه حوافز قوية تدفعه إلى إعادة تقييم موقفه النووي. 
نظام يشعر بالتهديد وما زال قادر علي الصمود في الوقت نفسه ، وقد يميل إلى الاندفاع نحو السلاح النووي أكثر من أي وقت مضى إذا وصل الي مرحلة معينه من القرب للهزيمة. 


الحقيقة أنه من المفارقات اللافتة أن إيران، رغم الخسائر التكتيكية، قد تخرج فائزة استراتيجياً إذا انتهى الصراع في ظل الظروف الحالية. فهي تستطيع أن تدّعي أنها صمدت أمام ضغط عسكري مستمر من اثنتين من أقوى الجيوش في العالم. وفي الوقت نفسه، تستفيد قوى دولية منافسة للولايات المتحدة. روسيا تحصل على متنفس جيوسياسي، والصين تشاهد واشنطن تتورط أكثر فأكثر في مستنقع الشرق الأوسط.
حتى في مضيق هرمز — الشريان الحيوي لتدفق النفط العالمي — يظهر التناقض بوضوح. ما كان مفتوحاً في بداية الصراع أصبح يتطلب جهداً دبلوماسياً أو عسكرياً لإعادة فتحه، مما يحول العودة إلى الوضع السابق إلى «إنجاز» يُحتفل به.


لا يمكن إنكار أن سقوط النظام الإيراني الحالي سيكون تطورا إيجابيا لاستقرار المنطقة من وجهة نظر البعض،  إلا أن الحملة الحالية، كما تبدو اليوم، لم تقرب هذه الأطراف من هذا الهدف. بل قد تكون، في بعض جوانبها، قد أنتجت التأثير المعاكس: نظاماً أكثر تشدداً وأكثر قدرة على الصمود.
أما على المستوى العملي، فتواجه الإدارة الأمريكية خيارات ضيقة وغير مرضية. الطريق التفاوضي يبدو صعباً، لأن طهران — بعد أن أظهرت صموداً — لن تميل إلى تقديم تنازلات جوهرية في برنامجها الصاروخي أو قدراتها المسيرة أو موقفها النووي. 
أما التصعيد العسكري الأوسع (مثل الاستيلاء على جزيرة خارك أو محاولة السيطرة على المضيق)، فمن غير المرجح أن يكون حاسماً؛ إيران ليست دولة تنهار بسبب خسائر إقليمية محدودة، بل قد يؤدي ذلك إلى إطالة أمد الصراع وتوسيع نطاقه ومخاطر انفجاره إقليمياً.


امريكا خذلت دول الخليج وتريد تحميلهم ثمن أخطاءها ، ودول الخليج خسرت احساس الأمان وحرية الحركة والاستثمار الذي عاشت به وفية لسنوات. 
هناك أيضاً تأثير ثانوي يستحق التأمل في واشنطن: التحالف الأمريكي-الإسرائيلي ركيزة أساسية، لكن الصراع المطول دون هدف استراتيجي واضح سيعمق الاحتكاك السياسي والشعبي داخل الولايات المتحدة، مما ينعكس سلباً على مكانة إسرائيل على المدى الطويل.


مرة أخري ، لقد كان الأداء العملياتي ناجحاً، مدعوماً بتنسيق وثيق بين القيادة المركزية الأمريكية والجيش الإسرائيلي. لكن إذا انتهى الصراع دون تغيير استراتيجي واضح ، فسيُسجل في التاريخ كفشل غير مسبوقين مدة زمنية قصيرة.  
الخطر  الحقيقي لاسرائيل  ليس إيران الضعيفة المردوعة، بل إيران المتكيفة التي تخرج أكثر تصميماً وتطرفاً، وربما أقرب إلى العتبة النووية — لتشبه باكستان أو كوريا الشمالية أكثر مما تشبه «فنزويلا الجديدة.»
في هذا السياق الإقليمي المعقد، برز الأداء السياسي المصري كمحاولة متوازنة ودبلوماسية نشطة لاحتواء التصعيد. أدانت القاهرة بوضوح الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربي والأردن والعراق، مؤكدة أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، ورفضت أي انتهاك للسيادة العربية.
في الوقت نفسه، أجرت مصر اتصالات مكثفة مع الجانب الإيراني (بما في ذلك اتصال الرئيس السيسي بنظيره الإيراني)، وجولات دبلوماسية في دول الخليج، داعية إلى وقف التصعيد وتغليب الحلول السياسية والحوار. 


رفضت مصر الانخراط في أي تحالف عسكري مباشر، مفضلة دورها التقليدي كوسيط ونقطة توازن إقليمية. غير أن هذا الموقف الدبلوماسي المتوازن يواجه تحدياً اقتصادياً حاداً، إذ يهدد التصعيد — خاصة أي اضطراب في مضيق هرمز — بتأثيرات سلبية إضافية على إيرادات قناة السويس، التي تعاني بالفعل من تداعيات سابقة، مما يفرض على الدولة المصرية اتخاذ إجراءات استثنائية لحماية الاقتصاد الوطني. هذا الأداء يعكس براغماتية مصرية تقليدية، لكنه يذكرنا أيضاً بصعوبة تحويل الدبلوماسية إلى مكاسب استراتيجية ملموسة في بيئة إقليمية شديدة التوتر.


هذا التناقض بين النجاح التكتيكي والإخفاق الاستراتيجي يدعونا  — إلى إعادة التفكير في طبيعة الاستراتيجيات طويلة الأمد تجاه طهران.
والي اعادة النظر في دور مصر كوسيطين الي دورها كفاعل ..
اعتقد ان خلق محور استراتيچي  بين مصر والسعودية   عسكريا وسياسيا واقتصاديا ، ويمكن في المستقبل ضم تركيا ، اصبح هو الخيار الذي يخلق قيمة جمعية للدول الثلاث ،  امام تهور اسرائيلي أمريكي جديد في المستقبل

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء