يشهد النظام الدولي في المرحلة الراهنة حالة من إعادة التموضع الاستراتيجي تتجاوز مجرد الأزمات الإقليمية التقليدية.
فالتصعيد المتكرر بين الولايات المتحدة وإيران لا يمكن فهمه بوصفه صراعًا ثنائيًا فقط، بل باعتباره انعكاسًا لتحول أوسع في بنية القوة العالمية، حيث يتراجع نموذج الهيمنة الأحادية تدريجيًا لصالح نظام أكثر سيولة وتعددًا في مراكز التأثير.
في هذا السياق، يصبح الشرق الأوسط مساحة اختبار لإعادة تعريف مفاهيم الردع، والتحالفات المرنة، وأدوات النفوذ غير التقليدية التي باتت تتجاوز القوة العسكرية المباشرة نحو الاقتصاد والتكنولوجيا والحرب السيبرانية.
السياسة الأمريكية تجاه إيران خلال السنوات الأخيرة تجمع بين استراتيجيتين متوازيتين: الاحتواء العسكري غير المباشر، وإدارة التصعيد بدلًا من حسمه. فالوجود العسكري، والعقوبات الاقتصادية، والدعم الأمني للحلفاء الإقليميين لا تستهدف بالضرورة إنهاء النفوذ الإيراني، بل ضبط مستواه ضمن حدود تمنع تحوله إلى تهديد استراتيجي شامل يخل بتوازنات المنطقة أو يهدد تدفق الطاقة العالمي.
في المقابل، تعتمد إيران على ما تصفه الأدبيات الاستراتيجية بـ«الردع غير المتكافئ»، عبر توسيع دوائر النفوذ الإقليمي واستخدام أدوات ضغط منخفضة التكلفة وعالية التأثير، وهو ما يسمح لها بتعويض الفجوة التقليدية في القدرات العسكرية مع القوى الكبرى.
هذه المعادلة أنتجت وضعًا إقليميًا يتسم بما يسميه منظرو العلاقات الدولية «الاستقرار غير المستقر»؛ أي غياب الحرب الشاملة مع استمرار احتمالات الانفجار المحدود. فكل طرف يسعى إلى تجنب المواجهة المباشرة بسبب كلفتها الاستراتيجية، بينما يستخدم الأزمات الجزئية لإعادة التفاوض على موازين القوة وتحسين شروط الردع.
وهنا يتحول الشرق الأوسط تدريجيًا من فاعل سياسي مستقل إلى ساحة تفاعل بين استراتيجيات أمنية متنافسة، تتداخل فيها اعتبارات الطاقة، وأمن الممرات البحرية، والبرنامج النووي الإيراني، مع حسابات السياسة الداخلية في القوى الكبرى، خاصة في ظل حساسية الرأي العام تجاه الحروب الطويلة.
كما تكشف التطورات الأخيرة أن الصراع لم يعد عسكريًا فقط، بل أصبح صراعًا على تعريف النظام الإقليمي ذاته: من يضع قواعد الأمن؟ ومن يمتلك شرعية الردع؟ فالتنافس الحالي يعكس انتقالًا من منطق الهيمنة المباشرة إلى منطق إدارة التوازنات، حيث تسعى القوى الكبرى إلى منع الانفجار الكامل دون إنهاء أسباب التوتر، لأن استمرار مستوى معين من الأزمات يمنحها أدوات ضغط دائمة.
الأهم أن الخطاب الدولي حول الأمن والاستقرار غالبًا ما يُصاغ بلغة استراتيجية مجردة، تُختزل فيها المجتمعات إلى أرقام خسائر أو خرائط نفوذ.
غير أن الواقع يكشف أن كلفة هذه الحسابات لا تُدفع في مراكز القرار، بل في المدن التي تعيش تحت احتمالات الحرب الدائمة، وفي اقتصادات تتأثر فورًا بأي توتر جيوسياسي، وفي أجيال تنمو داخل شعور مستمر بعدم اليقين السياسي والاقتصادي. وهكذا تتحول الجغرافيا السياسية من مفهوم نظري إلى تجربة معيشة يومية.
ومن منظور امرأة عربية، تبدو السياسة الدولية أحيانًا كحوار طويل بين قوى كبرى تحاول إدارة خوفها أكثر مما تحاول تحقيق السلام. فبين بيانات الردع وتصريحات التهدئة، تعيش المجتمعات تفاصيل القلق اليومي التي لا تظهر في التحليلات الاستراتيجية.
المرأة التي تتابع الأخبار من داخل المنطقة لا ترى فقط خرائط النفوذ، بل ترى أثر القرار السياسي على الاستقرار الأسري، وفرص العمل، وأسعار الغذاء والطاقة، ومستقبل الأجيال القادمة. لذلك قد لا يكون السؤال الحقيقي ما إذا كانت القوى الكبرى تفهم خصومها، بل ما إذا كان العالم يفهم الإنسان الذي يعيش داخل نتائج هذه السياسات، أو ما إذا كانت السياسة الدولية قد أصبحت قادرة على إدارة الأزمات أكثر من قدرتها على إنهائها.