رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تغريبة القيم.. حين كانت البيوتُ مفتوحة والقلوبُ أوسع
ثمة غصة تسكن الحلق كلما التفتنا إلى الوراء، ليس حنيناً لسنوات الصبا فحسب، بل حنيناً لزمن كانت فيه "الكلمة" عهداً، و"الجار" أهلاً، و"الستر" عباءة تظلل الجميع، في تلك الأيام الخوالي، لم تكن الأخلاق نصوصاً تُكتب في الكتب أو شعارات تُرفع على جدران المواقع الافتراضية، بل كانت سلوكاً يومياً يتنفسه الناس مع هواء الصباح، كانت الأخلاق تسكن في تفاصيل بسيطة؛ في رغيف خبز يُقسم بين جارين، وفي حياء نظرة لا تتلصص على بيوت الآخرين، وفي "فزعة" لا تنتظر شكراً ولا تطلب مقابلاً.
لقد تغير وجه العالم، ومع تغيره تبدلت ملامحنا النفسية، في الماضي كان "العيب" رقيباً داخلياً أقوى من أي قانون، وكانت مروءة الرجال وعفة النساء هي السور الذي يحمي المجتمع، كان الصغير يوقر الكبير وكأنه أبوه، وكان الكبير يحنو على الصغير وكأنه قطعة من كبده، لم نكن نحتاج إلى كاميرات مراقبة لأن "عين الضمير" كانت يقظة، ولم نكن نغلق الأبواب بإحكام لأن الأمان كان يسكن في صدور المحيطين بنا قبل أن يسكن في أقفال الحديد. كان الرزق قليلاً لكن البركة كانت تملأ الزوايا، لأن النوايا كانت بيضاء كوجوه الجدات، والقلوب لم تكن قد تلوثت بعد بحمى الاستهلاك والتفاخر والمنافسة الشرسة على حطام الدنيا.
اليوم، نعيش في مدن مزدحمة بالبشر، لكنها موحشة في تفاصيلها ، تحول "الفرد" إلى جزيرة معزولة، وانكمشت تلك الروابط الدافئة لتصبح مجرد تفاعلات جافة خلف الشاشات، أصبحنا نقيس قيمة الإنسان بما يملك لا بما يحمل من مبادئ، وتسللت "الأنا" لتأخذ مكان "نحن"، لقد غابت تلك العفوية التي كانت تجمع الجيران على عتبة دار واحدة، وحلّ محلها حذر غريب وتوجس لا مبرر له، سُرقت منا لذة "اللقاء الحقيقي" لصالح "الوجود الافتراضي"، وصارت الأخلاق أحياناً تُقاس بعدد الإعجابات، بينما في الواقع قد يمر المرء بجاره المتألم فلا يشعر به، أو يرى كبيراً يحتاج مساعدة فيشيح بنظره وكأن الأمر لا يعنيه.
إن الوجع الحقيقي يكمن في أننا فقدنا "البوصلة الأخلاقية" التي كانت تجعلنا نشعر بالآخرين بالفطرة. تغيرت فينا لغة العتاب، فصار النقد جارحاً والتناصح تشهيراً، تبدلت مفاهيم الصدق والوفاء، وأصبح البعض يرى في المكر ذكاءً، وفي الطيبة غباءً، وفي التواضع ضعفاً، لقد نسينا أن مجتمعنا لم يقم يوماً على ناطحات السحاب أو التكنولوجيا، بل قام على أكتاف رجال ونساء كانوا يرون في "السمعة الطيبة" أغلى ما يورث للأبناء، وفي "نصرة المظلوم" واجباً لا يقبل التأجيل.
نحن بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى "رحلة عودة" لترميم تلك الشقوق التي أصابت جدراننا الأخلاقية، ليس المطلوب أن نعيش في الماضي، بل أن نستعيد روحه. أن نعيد للكلمة هيبتها، وللوعد قدسيته، وللتعامل الإنساني رقته، نحتاج أن نتذكر أن "البيوت المفتوحة" لم تكن بحاجة لمال وفير بقدر ما كانت بحاجة لنفوس راضية، إن الأخلاق هي الثوب الذي لا يبلى، وهي العطر الذي يبقى أثره حتى بعد رحيل صاحبه.
لنعد صياغة علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين، ولنبحث عن تلك القيم التي تركها لنا الأجداد أمانة في أعناقنا، فالإنسان بلا أخلاق هو كشجر بلا جذور، تذروه رياح المادة حيثما تشاء، لنزرع في قلوب الصغار أن العظمة ليست في التسلط بل في الخدمة، وأن النجاح الحقيقي هو أن تضع رأسك على وسادتك ليلاً وأنت تعلم أنك لم تظلم أحداً، ولم تجرح قلباً، ولم تبع ضميرك في سوق المزايدات، إنها دعوة للمصالحة مع تلك الذكريات الجميلة، لنستمد منها القوة لإصلاح حاضرنا، وبناء مستقبل يشبهنا ويشبه أصالتنا التي لا تغيب.
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء