رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بسبب العصر الحجري.. ما هي القطعة الأثرية التي ردت بها إيران على أمريكا ؟

أسطوانة كورش
أسطوانة كورش

في تصعيد للتوترات بين الولايات المتحدة وإيران، توعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإعادة إيران إلى "العصر الحجري"، في إشارة إلى ضربات عسكرية محتملة قد تدمر بنيتها التحتية.

ردت السفارة الإيرانية في واشنطن عبر بيان اعتبرت فيه هذه التصريحات بعيدة عن الواقع وتعكس تجاهلًا للتاريخ الحضاري العريق لإيران، موضحة أن الإيرانيين في تلك الحقبة لم يكونوا يعيشون حياة بدائية، بل ساهموا في وضع أسس مبكرة لمفاهيم حقوق الإنسان، مستشهدًا بأسطوانة كورش، التي تعد من أقدم الوثائق التاريخية التي تناولت حقوق الشعوب والأقليات.

كما أشار البيان إلى أن الشعوب التي كانت تعيش في أراضي أمريكا آنذاك كانت تتبع أنماط حياة بدائية، مؤكدًا وجود فجوة حضارية واضحة بين الجانبين في تلك الفترة.

ما هي أسطوانة كورش؟

تم اكتشاف أسطوانة كورش في عام 1879 أثناء أعمال الحفر الأثري في مدينة بابل القديمة الواقعة في العراق الحالي، وكان ذلك ضمن بعثات أثرية أشرف عليها المتحف البريطاني، حيث ينسب الفضل في العثور عليها إلى عالم الآثار هرمزد راسام، وقد وُجدت الأسطوانة مدفونة داخل أنقاض أحد المعابد، وهو ما يشير إلى أنها كانت جزءًا من طقوس التأسيس أو التوثيق الرمزي داخل البناء الديني والسياسي في تلك الفترة، ومنذ لحظة اكتشافها، أصبحت هذه القطعة محط اهتمام واسع من الباحثين والمؤرخين بسبب ما تحمله من نص مسماري أكادي يُعد من أهم النصوص السياسية في التاريخ القديم.

صنعت الأسطوانة من الطين المحروق على شكل أسطواني صغير الحجم نسبيًا، وقد نُقش عليها نص باللغة الأكادية باستخدام الخط المسماري، وهي اللغة التي كانت تستخدم آنذاك كلغة رسمية وإدارية في مناطق واسعة من بلاد ما بين النهرين ، ويظهر النص مهارة عالية في الصياغة والكتابة، حيث كتب بأسلوب ملكي يصف الأحداث السياسية المرتبطة بدخول كورش إلى بابل بعد سقوطها عام 539 قبل الميلاد، ويعرض رؤيته في إدارة الحكم وتثبيت سلطته على المدينة.

يتناول مضمون الأسطوانة بشكل أساسي سياسات كورش الكبير بعد دخوله بابل، حيث يقدم نفسه بوصفه حاكمًا جاء لإعادة النظام وليس للدمار، ويُبرز سياسة تقوم على إعادة الشعوب المهجرة إلى أوطانها، وترميم المعابد الدينية التي تضررت خلال الصراعات، وإعادة الحياة الدينية والثقافية إلى طبيعتها داخل المدينة.

كما يعكس النص توجهًا واضحًا نحو احترام التعدد الديني والثقافي في الإمبراطورية، حيث لم يُفرض نظام ديني واحد بالقوة، بل تم السماح للمعتقدات المحلية بالاستمرار، وهو ما اعتبر في سياقه التاريخي نهجًا مختلفًا عن العديد من الإمبراطوريات القديمة التي اعتمدت أساليب أكثر صرامة في الحكم.

سقوط بابل

وقد ربط عدد من المؤرخين بين ما ورد في الأسطوانة وبعض الروايات التاريخية والدينية، خاصة تلك التي تشير إلى عودة جماعات من المنفيين إلى أوطانهم بعد سقوط بابل، وهو ما منح الوثيقة بعدًا إضافيًا في الدراسات التاريخية المقارنة، ومع مرور الوقت، أصبحت الأسطوانة تُستخدم كمرجع مهم لفهم طبيعة العلاقة بين السلطة والسياسة والدين في الإمبراطورية الأخمينية، وكيف كان يتم توظيف الخطاب الرسمي لتثبيت شرعية الحكم وتعزيز صورة الملك أمام الشعوب المختلفة.

في المقابل، لم تتفق جميع الدراسات على تفسير واحد لمضمون الأسطوانة، حيث يرى بعض الباحثين أنها تمثل واحدة من أقدم الوثائق التي تعكس مفاهيم قريبة من حقوق الإنسان، خصوصًا فيما يتعلق بحرية العبادة وعودة المهجرين، بينما يرى آخرون أنها نص ملكي تقليدي يحمل طابعًا دعائيًا سياسيًا يهدف إلى تبرير الغزو وتثبيت السلطة عبر تقديم صورة إيجابية عن الحاكم الجديد، ويذهب هذا الاتجاه إلى أن استخدام لغة التسامح في النص قد يكون جزءًا من استراتيجية سياسية تهدف إلى كسب ولاء السكان المحليين بعد سقوط المدينة.

كما تناولت بعض الدراسات البعد الديني في النص، حيث ورد ذكر الإله مردوخ باعتباره إله بابل الرئيسي، وهو ما يُفسر على أنه محاولة لربط حكم كورش بالشرعية الدينية المحلية، عبر الإيحاء بأن الآلهة نفسها تدعمه وتؤيده، هذا الربط بين السياسة والدين كان شائعًا في حضارات الشرق القديم، وكان يُستخدم لتعزيز سلطة الحاكم وإضفاء طابع مقدس على قراراته.

ورغم مرور آلاف السنين على إنشائها، لا تزال أسطوانة كورش محل دراسة ونقاش في الأوساط الأكاديمية حتى اليوم، ليس فقط لأنها قطعة أثرية نادرة، بل لأنها تمثل وثيقة سياسية تحمل طبقات متعددة من المعاني التاريخية والثقافية، فهي من جهة تعكس واقع الحكم في الإمبراطورية الأخمينية، ومن جهة أخرى تفتح بابًا واسعًا للنقاش حول تطور مفاهيم العدالة والتسامح والسلطة في التاريخ البشري.

وفي الوقت الحالي تحفظ الأسطوانة في المتحف البريطاني في لندن، حيث تعرض كواحدة من أهم مقتنيات الحضارات القديمة، وتستمر في جذب اهتمام الباحثين والزوار من مختلف أنحاء العالم. 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء