بعد رد سفارة طهران على ترامب.. تعرف على تاريخ الحضارة الإيرانية
أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي توعد فيها بإعادة إيران إلى "العصر الحجري"، الجدل في حيت ردت السفارة الإيرانية في واشنطن عبر بيان اعتبرت فيه هذه التصريحات بعيدة عن الواقع وتعكس تجاهلًا للتاريخ الحضاري العريق لإيران.
وأوضح البيان أن الإيرانيين في تلك الحقبة لم يكونوا يعيشون حياة بدائية، بل ساهموا في وضع أسس مبكرة لمفاهيم حقوق الإنسان، مستشهدًا بأسطوانة كورش، التي تعد من أقدم الوثائق التاريخية التي تناولت حقوق الشعوب والأقليات.
كما أشار البيان إلى أن الشعوب التي كانت تعيش في أراضي أمريكا آنذاك كانت تتبع أنماط حياة بدائية، مؤكدًا وجود فجوة حضارية واضحة بين الجانبين في تلك الفترة.
الحضارة الفارسية
تعود جذور الحضارة الفارسية إلى تأسيس الإمبراطورية الأخمينية عام 550 قبل الميلاد على يد كورش الكبير، الذي يعرف في بعض المصادر التاريخية بلقب "أبو الأمم"، وقد أصبحت هذه الإمبراطورية الأكبر في العالم القديم، إذ امتدت على مساحة تُقدّر بنحو 5.5 مليون كيلومتر مربع.
من قبائل إلى إمبراطورية
نشأت الإمبراطورية من قبائل إيرانية بدوية كانت تعيش على الهضبة الإيرانية وتربي الماشية، وتمكن كورش الكبير، زعيم قبيلة الأخمينيين، من توحيد القبائل الفارسية، ثم هزيمة الميديين عام 549 ق.م، والليديين، وأخيرًا الإمبراطورية البابلية الحديثة عام 539 ق.م، دون مقاومة تذكر.
وسجلت "أسطوانة كورش" هذه الإنجازات، وتعد نصًا تاريخيًا مهمًا يصف كورش كمحرر يعيد اللاجئين إلى أوطانهم ويسمح بحرية العبادة، مما دفع بعض المؤرخين إلى اعتباره أول “إعلان لحقوق الإنسان”.
بلغت الإمبراطورية أوجها في عهد "داريوس الأول الكبير"، الذي أعاد تنظيم الإدارة عبر تقسيم الإمبراطورية إلى ولايات "ساترابيات" يحكمها حكام محليون تحت رقابة مركزية، كما أدخل عملة ذهبية موحدة تعرف بـ"الداريك"، ونظام أوزان ومقاييس موحدًا، وبنى شبكة طرق واسعة، أبرزها "الطريق الملكي" الذي ربط سارديس بسوسا. وقد سجلت إنجازاته على "نقش بيستون" في غرب إيران، وهو نقش ثلاثي اللغات “الفارسية القديمة، الإيلامية، البابلية” يروي انتصاراته على المتمردين.
الفن والعمارة الفارسية
أسس داريوس مدينة "برسيبوليس" عام 518 ق.م جنوب إيران كعاصمة احتفالية، وقد بنيت المدينة على مصطبة هائلة شبه صناعية، وتضم قصورًا ضخمة، مثل قصر أبادانا ذي الأعمدة العالية نحو 20 مترًا، وبوابة جميع الأمم التي تُصور وفودًا من شعوب الإمبراطورية يحملون الهدايا، في رمز لوحدة الإمبراطورية وتنوعها الثقافي، وقد أدرجت منظمة اليونسكو برسيبوليس ضمن قائمة التراث العالمي عام 1979، نظرًا لأهميتها في مجالات العمارة والتخطيط الحضري والفن.
الزرادشتية.. ديانة التوحيد والتسامح
اعتمدت الإمبراطورية الأخمينية الديانة الزرادشتية كديانة للدولة، وهي إحدى أقدم الديانات التوحيدية في التاريخ، أسسها النبي زرادشت “زراثوشترا”، الذي يقدر أنه عاش بين عامي 1500 و500 قبل الميلاد في شمال شرق إيران أو المناطق المجاورة، وقد دعا إلى عبادة إله واحد هو أهورا مازدا “الرب الحكيم”، وأكد على الصراع الأخلاقي بين الخير "أشا" والشر.
تميز ملوك الأخمينيين بدرجة غير مسبوقة من التسامح الديني؛ إذ سمح كورش لليهود بالعودة من الأسر البابلي وبناء الهيكل في القدس، كما ورد في الكتب العبرية، وقد حكم الفرس وفق مبدأ “أشا” "الحق والعدل"، وأطلق المؤرخون على تلك الحقبة "باكس بيرسيكا" أو "السلام الفارسي".
يرمز "فارافاهار" إلى هذه الديانة؛ وهو تصوير لرجل ملتحٍ بجناحين يمثلان التقدم الروحي، وحلقة ترمز إلى الخلود، وثلاث ريش في الجناحين والذيل ترمز إلى "أفكار طيبة، كلمات طيبة، أعمال طيبة" وكانت النار رمزًا للتطهير المقدس، وكانت معابد النار "أتشكده" تحتوي على شعلة لا تنطفئ، كما مارس الزرادشتيون طقوسًا خاصة لدفن الموتى "الدخمة أو أبراج الصمت"، التي جرمها نظام الملالي.
وظلت الزرادشتية الديانة الرسمية حتى الفتوحات الإسلامية في القرن السابع الميلادي، وبعد الاضطهاد هاجر كثير من أتباعها إلى الهند "البارسيون"، ويبلغ عددهم اليوم نحو 100 إلى 200 ألف نسمة.
سقوط الإمبراطورية الإيرانية
بدأ الضعف بعد حملات زركسيس الأول ضد اليونان عام 480 ق.م، التي استنزفت الموارد وزادت من الأعباء الضريبية، وقد انهارت السلالة الأخمينية أمام الإسكندر الأكبر عام 330 ق.م.