رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

شهد ملعب "RCDE Stadium" في إسبانيا هتافات ذات طابع عنصري صدرت عن بعض الجماهير الإسبانية، خلال المباراة الودية التي جمعت بين منتخبي مصر وإسبانيا، ضمن استعدادات المنتخبين للاستحقاقات المقبلة، وفي مقدمتها كأس العالم. 

يأتي هذا المشهد في تناقض لافت مع المواقف الرسمية والشعبية المعلنة في إسبانيا الداعمة لوقف الحروب في المنطقة العربية منذ السابع من أكتوبر 2023. 

وحقيقة لم تُخلق كرة القدم لتكون ساحة لمثل هذه الممارسات؛ فهي، في جوهرها الترفيهي، مساحة للمتعة والتشجيع والحماس والهتاف، ووسيلة لتفريغ الطاقات السلبية والتحرر مؤقتًا من ضغوط الحياة، ولو لساعة ونصف. أما على الصعيد الوطني، فتمثل كرة القدم منصة فريدة تمنح الجماهير ما قد لا يتيحه أي مجال آخر: شعورًا عميقًا بالانتماء، وقدرة استثنائية على الانصهار في وجدان جماعي واحد، رغم تباين المعتقدات والاهتمامات واختلاف الخلفيات.

وتكمن خطورة مثل هذه السلوكيات العنصرية في أنها تتجاوز كونها مجرد هتافات مسيئة داخل ملعب كرة قدم؛ إذ تمثل مؤشرًا مقلقًا على اختلالات أعمق في بنية الوعي والثقافة المجتمعية. فهي تعكس قابلية بعض الفئات للانزلاق نحو التعصب، وتثير تساؤلات حول الروح الرياضية ومدى تقبّل الآخر، خصوصًا في لحظات التوتر كالهزيمة أمام فريق يختلف دينيًا أو ثقافيًا. وفي هذا السياق، يظل المدرج مرآة صادقة للمجتمع، يعكس تنوعه بكل ما يحمله من إيجابيات وسلبيات.

كما يُعدّ المدرج مؤشرًا يعكس مدى تقبّل المجتمع للتنوع الثقافي، وما إذا كان متحليًا بقيم التسامح والاحترام المتبادل، ومدى تماسكه وتعاطف فئاته المختلفة مع بعضها البعض. وفي الوقت ذاته، يمثل مقياسًا لتحضّر المجتمع واحترامه للمنظومة الرياضية، محليًا ودوليًا، بما تفرضه من قواعد تُجرّم العنف والعنصرية والتعصّب، وتُعلي من شأن الروح الرياضية.

ومن يتأمل سلوك المدرجات الإسبانية في تلك المباراة يلحظ مفارقة لافتة؛ إذ بدا أن بعض الجماهير تغاضت عن وجود لاعبين مسلمين ضمن صفوف منتخبها، وفي مقدمتهم نجمها الأبرز "لامين يامال". ويعكس هذا التناقض أن مشاعر الرفض والتعصب لدى بعض الجمهور تتجاوز حدود الانتماء الرياضي، وتطغى على حبه ودعمه العملي لعناصر منتخبه الوطني. فالحب ليس مجرد شعار أو كلمة تُقال، بل يحتاج إلى ترجمة عملية تعبر عن هذا الحب. وازدراء المعتقد من علامة الكراهية وليس من علامات الحب.  

وهنا سؤال يطرح نفسه: هل تقع مسئولية الاعتداء على الإسلام والمسلمين كاملة على الغرب وحده؟ الإجابة من وجهة نظري، لا. بل يقع جزء ليس بالقليل من هذه المسئولية علينا نحن العرب والمسلمين.  

 فينبغي على عالمنا الإسلامي أن يتعامل مع مثل هذه الاعتداءات بقدر عالٍ من الهدوء والعقلانية، عبر السعي إلى اعتراف دولي واضح بجريمة "معاداة الإسلام والمسلمين" أو "التخويف الممنهج من الإسلام والمسلمين"، دون تهاون في مواجهتها. كما يتطلب الأمر توظيف أدوات القانون الدولي بفاعلية، إذ يحظر، من حيث المبدأ، التحريض على الكراهية الدينية والعنصرية بمختلف أشكالها، بما يشمل المسلمين وغيرهم. وهذا يؤكد أن الإطار القانوني قائم وشامل، ويتيح نظريًا التصدي لأي مظهر من مظاهر التمييز أو الكراهية الدينية، متى توافرت الإرادة لتفعيله. وهذا التفعيل يتطلب تكاتفًا عربيًا وإسلاميًا. 

كما يتعيّن على دول العالم الإسلامي ومنظماته الدولية إعادة النظر في خطابها وآليات تناولها لقضية معاداة الإسلام والمسلمين، والتي يُروَّج لها في الخطاب الغربي تحت مسمى "الإسلاموفوبيا". فهذا المصطلح، في جوهره، قد يُلحق ضررًا أكبر مما يحقق من فائدة؛ إذ يضفي على السلوك العدائي طابعًا نفسيًا يوحي بوجود خوف مرضي عند المعتدي، بما قد يُفهم منه ضمنًا تبرير الاعتداء أو التماس العذر للعتدي. وفي المقابل، يضع الضحية في موقع المسبّب لهذا "الخوف"، بما يقلب معادلة المسؤولية على نحو ظالم. 

ويختلف ذلك تمامًا عن مصطلح "معاداة السامية"، الذي يحدد منذ اللحظة الأولى الفعل باعتباره عداءً صريحًا، دون أي مبررات أو تأويلات قد تخفف من وطأة الجريمة أو تعيد توزيع المسؤوليات. وهذا الوضوح يخلق رادعًا للأفراد، إذ يدفعهم إلى تجنب أي أقوال أو أفعال قد تُنسب إليهم على أنها معادية للسامية، تفاديًا لوقوعهم تحت طائلة المساءلة القانونية. 

  

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء