هل نحن في حاجة لمعرفة أخبار الأقوام التي أبادها الله تعالى في قديم الزمن؟
هل يمكن أن تكون معاصيهم التي عاقبهم الله تعالى عليها بالفناء لها علاقة بما نحياه الآن؟
فلنحاول التعرف على أهم صفاتهم ودعوة الأنبياء لهم ومجادلاتهم والنتيجة التي وصلوا إليها.
سيدنا نوح عليه السلام هو أول الأنبياء الذي ذكرهم الله، يقول تعالى: }إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ..{ النساء.
وقد أُرسل لقومه بعدما ضلوا عن هدى الله تعالى وفسدت فطرتهم التي تدلهم على رب العالمين،
يقول تعالى: }لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿٥٩﴾ قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴿٦٠﴾{ الأعراف.
دعاهم سيدنا نوح لعبادة الله تعالى وحده لا إله سواه، هو وحده من يتلقون منه منهج الحياة، هو وحده من يتوجهون إليه ليسألوه، هو وحده خالقهم وحافظهم ورازقهم، فبماذا استقبلوه؟
يقول تعالى: }قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا ﴿٢١﴾ وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا ﴿٢٢﴾ وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ﴿٢٣﴾ وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا ﴿٢٤﴾{ نوح.
اتبعوا كبار القوم، أصحاب المال والأولاد والجاة، هؤلاء الذين لم يزدهم مالهم وعزوتهم إلا خسارة، هؤلاء استكبروا واتبعهم التابعين المقلدين، فهم في الضلال سواء، قالوا لهم: لا تتركوا عبادة آلهتكم، وَدًّا وَ سُوَاعًا وَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا . ذلك لأن مصلحة هؤلاء الكبار تتحقق من التفاف الناس حول هذه الآلة المزيفة، حيث يستطيعون من خلالها بث ما يريدون من أكاذيب، يضمنون بها بسط سلطانهم على هؤلاء المتبعين، ويضمون حجب الحق عنهم.
ثم كان لهم موقفاً آخر، يقول تعالى: }فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ﴿٢٧﴾{ هود.
في قولهم هذا تتمثل اللجاجة التي لا تستحق الرد، فالبشر لن يرسل الله تعالى لهم إلا بشراً مثلهم. ثم نرى عنصريتهم البغيضة في احتقار المؤمنين الضعفاء الذين لا جاه لهم ويعتبرون أنهم أراذل تعجلوا في الإيمان بما جاء به نوح لجهلهم وسطحيتهم، ويأنفون أن يكونوا معهم فيما آمنوا به، ثم في الخلاصة فإنهم يحسبون أن نوحاً ومن معه كاذبين.
وبينت آية أخرى رغبتهم المحمومة في العلو على الآخرين، وألا ينافسهم أحد في مكانتهم وسلطانهم، حتى أنهم اتهموا رسولهم بأنه لا يريد مما يدعوا إليه إلا أن يتفضل عليهم، } ... مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ..{ المؤمنون.
لم يهتموا بالقضية الأساسية التي طرحها سيدنا نوح وهى عبادة الله وحده، لكنهم اتهموه بأنه يريد أن يكون أفضل منهم، لخوفهم على مكانتهم، وتفسيرهم لكل إنسان يريد الإصلاح أنه يريد يعلو عليهم، وهذا يؤكد أن مصيبتهم ومعصيتهم بعد الكفر بالله هي العنصرية.
هذا هو ردهم على رسولهم وهذا هو تفاعلهم واستقبالهم له ولما يدعوهم إليه.
لقد دعاهم سيدنا نوح لعبادة الله تعالى وحده .. فما هي الصورة العملية لهذه العبادة؟
إنه لم يأمرهم بصلاة ولا زكاة وحج.. إنما أمرهم بنبذ الكبر واحتقار الضعفاء، والتخلق بأخلاق التواضع والأدب.
يقول تعالى: وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴿٢٩﴾ وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿٣٠﴾ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ﴿٣١﴾ هود.
من كبرهم واعتقادهم أنهم هم الأفضل والأعلى وأنهم يستحقون معاملة خاصة اشترطوا على سيدنا نوح أن يطرد من عنده من المؤمنين الذين كانوا يسمونهم أراذل حتى يوافقوا على الجلوس في مجلسه، لكنه أجاب عليهم، وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ. وبين لهم أن هذا الأمر يبغضه الله تعالى ولا يرضاه فقال: وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ. ثم أضاف إضافة تأكيد على موقفه فقال: وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ.
تأكيد وراء تأكيد أن عبادة الله تعالى هي في التواضع والعدل والأدب مع ما أخبرنا به العليم الحكيم من أن كل الناس سواسيه، سواء اختلفت أجناسهم وألوانهم وثرواتهم، سواء كانوا إناثاً أو ذكوراً، الكل سواء في الحقوق والواجبات وإن أفضلكم عند الله أتقاكم.
من هنا نفهم لماذا يتخذ هؤلاء آلهة من دون الله يعبدونها، إنها تمنحهم ما يرغبون فيه بشدة، وهو استحقاقية الكبر على الآخرين، بينما عبادة الله تعالى تسلبهم هذه الاستحقاقية وتجعل الجميع سواء، وهذا هو رد فعلهم الأخير على دعوتهم عبادة الله تعالى وحده: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا ﴿٥﴾ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا ﴿٦﴾ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ﴿٧﴾) نوح.
فكانت القاصمة وكانت العقوبة، أن حول الله لهم نعمة الماء الذي كانوا ينعمون به لأداة لهلاكهم، يقول تعالى: (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ ﴿٧٣﴾) يونس.
وهكذا كل من يتكبر على خلق الله تعالى، فيعتقد أن له ما ليس لهم، وأن عليهم ما ليس عليه، إنه لا يعبد الله تعالى، بل يعبد وَدًّا وسُوَاعًا وَيَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا، وقد أضلوا كثيراً ولا تزد الظالمين إلا ضلالاً.
وهكذا تظل معصية الشيطان عندما قال أنا خير منه، هي المعصية الأولى التي تنقل الإنسان من الإيمان إلى الكفر والعياذ بالله.