رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من الكهوف إلى ماتريكس: الانبهار السلبي والإيجابي بالمعدن المصري

الانبهار بالمصري عملة ذات وجهين سلبي وإيجابي.. السلبي هو استرجاع الصورة الذهنية لدى الغرب عن مجتمع خارج من كهوف العصر الحجري، والإيجابية ذهوله من عقليته. وفي حياتي قابلني الوجهان.

في أوائل التسعينيات حضرت ندوة لأيقونة الثقافة في ألمانيا الكاتب والرسام والمخرج بول مار، الذي احتشد لفيف من كتابنا للنهل من ثقافة بلده المتقدم علينا بسنين فلكية، وبعد الندوة كلمته وقتها عن كتاب "مدينة النحو"، نظر إلي مشدوها، قلت له: أنا ما جتش الندوة راكب جمل رابطه ف خيمة، فضحك، وأهداني كتابين جعلا الحاضرين يرمقونني بنظرات حادة، فقد بخل بإهداء أي عمل لأحد منهم.

في عام 2004 وفي مؤتمر ديجي ميديا Digi Media كان الأمريكي جورج بورشكوف مصمم ومخرج فيلم ماتريكس The Matrix يشرح كيف نفذ خدع الفيلم الذي قلب الدنيا ببرنامج مايا Maya.. كلمته عن سيناريو المالتي ميديا، وبوصفه هوليوديًّا أكد أنه لا يوجد، ولا يمكن أن يوجد شيء يُسمَّى سيناريو المالتي ميديا، لأن المالتي ليست مشاهد متتابعة كالسينما، وإنما تعتمد على التفاعلية Interactivity والاحتمالات Interaction Scenarios، ففاجأته بأني نفَّذته في برامج تم طرحها في الأسواق، أبرزها "أبطال الشطار".. كل ما فعلته أني سلمت السيناريو للمنفذين، محددًا فيه دور كل مشارك، بدءًا من مدخل البيانات، وانتهاء بالمصمم والمبرمجين، وجاء تنفيذ الأوامر Execute a commands كما وضعتها، وفاز وقتها بجائزة الشركات المتخصصة مع حجب المركز الثاني عام 2002.

وأضفت أني أصدرت كتابًا نشرته دار نهضة مصر عن سيناريو المالتي ميديا، فنظر إليَّ بانبهار سلبي، فرمقتُه حِتّة رمقة، فراجع نفسه ببسمة اعتذار، وقال: هذا أعجب من الخيال العلمي، فكان ردِّي: لأنه حقيقة علمية وواقع.

عندما تعطلت مطبعة ويب من اللي بدورين سافر المهندس صبري مدير مطابع نهضة مصر إلى ألمانيا، وأخذ معه عامل المطبعة البصمجي، وبعد فشل إصلاحها طلب العامل أن يجرب محاولة، ولما اشتغلت أشرقت نظرة انبهار إيجابية عيون المهندسين الألمان، وعرضوا عليه التعاقد بوظيفة كبير خبراء، ولكنه فضَّل البقاء في عمله (!!).

أثناء سفري للواحات البحرية التقيت بخواجاية في نهاية الستينيات، آن براون، عرفت أنها خبيرة نووية، ورأيت صورها مع عدد كبير من حكام العالم، وأخبرتني أنها زارت الواحات من باب السياحة، فوجدِت متعتها في أن تكون زوجة رابعة للبدوي أحمد الشيمي الذي يجيد قيادة الرالي والغناء.

قبل أحداث 25 يناير عرَّفني صديقي الصحفي جمال أبو عليوة على مارك، باحث حقوقي من برشلونة، وأخبرني أنه قدم إلى مصر لكتابة تقارير، وبمجرد أن استقر في الإسكندرية انبهر بترابط الشعب المصري، وأعلن أنه مصري.

عندما فاز أول طالب مصري بجائزة يو سي ماس UCMAS في سنغافورة كان تعليق رئيس لجنة التحكيم في كلمة واحدة: "مصري".
الحقيقة التي لا نعلمها أن الغرب، سواء أظهر، أو أخفى، مبهور بمصر شعبًا وتاريخًا وأرضًا، والأمثلة تفوق الحصر، منها د. عصام حجي، الذي طهقوه في عيشته عندما كان معيدًا في علوم القاهرة، فجاءه عرض من وكالة ناسا بأن يتولى منصب مدير معهد الكواكب والأقمار، ورصدوا له نصف ترليون دولار لعمل طرد مركزي؛ لاحتمالية بالغة الضعف أن يصطدم مذنب بكوكب الأرض، كما أسندوا إليه جميع الأبحاث عن المريخ.

قد لا يعرف الجيل الجديد أن دول أوروبا وأمريكا عرضت تبنِّي أطفال الشوارع، ويومها قامت الدنيا ولم تقعد؛ ليصبحوا فجأة "ولادنا.. لحمنا ودمنا"، وتباسل صحفيون "وطنيون" لمنع هذا الطلب.
كثيرًا ما نسمع عن أجنبيات قدمن للسياحة، واستقر بهن الحال بالزواج من مصري "شحات"، والاستقرار في مصر.

لا أنسى في الثمانينيات دموع فيرا زوجة عمي الذي كان محترفًا في الدوري الألماني وهي تتوسل لجدتي أن تقنعه بتركها تعيش بين الفلاحين في بيت طيني، ولكنه كان عنيدًا.

الأمثلة على هذا النوع من الانبهار تعجز من يحصيها.

لماذا هذا الانبهار؟

خلال رحلة حياتي سألت كثيرًا من الخواجات رجالا ونساء، فكانت هذه إجاباتهم:

الترابط بينكم كأسرة وجيران ومصريين عامة لا يوجد في أقرب الأقربين في بلادنا.

وأجمعت الأجنبيات على هذه المواصفات:

الزوج المصري لا يخون، حنون، غيور، بيقول كلام حلو، أمان، اجتماعي، قلبه طيب (جعجاع ع الفاضي يتعفرت ويهدا وكأن شيئًا لم يكن)، دمه خفيف، قنوع، يجيد المراوغة من النكد وبلاوي الحياة بالنكتة.

نعم تغيرت فينا أشياء كثيرة، بسبب اللعب منذ سنين طويلة في تركيبة المصري الروحية والنفسية والذهنية والبدنية، ولكن هذه التغيرات زَبَد، وسيذهب جفاء، وحتى مع وجودها ما يزال المعدن الأصيل متجذرًا في المصري.. تَحمَّلَ ويتحمل ما لا يطيقه غيره من البشر على مر التاريخ، وكل مؤامرة لتفتيته تنتهي بتماسك والتحام أكثر؛ لأنه جبل رسوبي.. ينتصر وهو في غاية الضعف، يضحك وهو في قمة القهر.. على يديه وُلِد التاريخ.

وهذا هو السر في عظمته وخلوده، وسر هذا السر هو جيناته العصية على التهجين والتدجين.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء