لقد تعلم المصري أن هناك فارقًا بين القوة والقدرة منذ زمن بعيد. لذلك لا تكاد ترى مشاجرة إلا وتنفض بتوسط البعض؛ ومحاصرتها قبل أن تمتد نيرانها إلى نطاق أوسع. وفي التراث المصري قصص وروايات عن تجبر البعض ظنًا منهم أنهم بالقوة وبطشها وحدها سيغلبون؛ لكن في النهاية تنقلب الآية عليهم؛ ومن هذه المواقف تعلم المصري أن للقوة حدود؛ وأن القدرة أمر مختلف بالكلية.
في الحرب الدائرة الآن في الشرق الأوسط يتجلى الفرق. نرى أن ترامب الذي نظر إلى النجاحات الوهمية التي حققها يغتر بتلك القوة ويظن أنه على كل شيء قدير وكذلك نتنياهو الذي اعتبر أن جنكيزخان أقوى من المسيح وأن إسرائيل هي أسبرطة القديمة تعيش بالحرب والدم في استدعاء مبتور للتاريخ.
لا يعرف ترامب من التاريخ إلا تاريخ الولايات المتحدة التي أبادت سكانها الأصليين فقتلت أكثر من 100 مليون إنسان من الهنود الحمر واستجلبت مثلهم من قارتنا الإفريقية ليقيموا حضارتهم المزعومة ودخلت واشنطن في حروب كثيرة قتلت فيها أكثر من 50 مليون إنسان آخرين منذ الحرب على إسبانيا في 1898. لم يتعلم ترامب من دروس فيتنام وأفغانستان والعراق، وبقي درس فنزويلا فقط ماثلاً أمام عينيه يشاغله ويحركه ويصور له المستحيل ممكناً.
دخل نتنياهو على الخط وصور له هو وويتكوف وكوشنر وآخرين من حزب الحرب في واشنطن وقالوا له إن إيران تهددنا منذ 47 عامًا وأنت الرئيس الـ 47 وهذه الحرب هي التي ستدخلك التاريخ وربما تمهد لك الطريق إلى الولاية الثالثة؛ وزينوا له أنه بالسيطرة على نفط إيران جنبًا إلى جنب مع نفط فنزويلا والخليج، ستكون إمبراطور العالم أجمع، وتحافظ على مجد الولايات المتحدة بإبقاء تجارة النفط بالدولار مبدًا مستديمًا وتسيطر على كل المضائق والممرات فتحاصر الصين وتبقى أمريكا القوة الأعظم بلا منازع لقرن آخر من الزمان.
نتنياهو الذي ظن نفسه أنه قارئ واع للتاريخ استدعاه مبتورًا عندما نسي أو تناسى أن جنكيز خان انهارت اسطورته والمغول معه على يد المصريين، وأن أسبرطة القديمة ذابت وتلاشت من التاريخ برمته.
ربما ما أغرقهما في الوهم أكثر هو صبر الإيرانيين على خسائرهم منذ قاسم سليماني إلى حرب الـ 12 يومًا في يونيو الماضي، وأنهم براجماتيون وليسوا عقائديين كما يصورون أنفسهم، إذ تعاونوا مع الأمريكان والإسرائيليين أنفسهم في صفقات السلاح مثل إيران جيت وأن الصراع هو فقط مادي على النفوذ في المنطقة، لذلك ظن نتنياهو أن هذا صراع تحكمه القوة والقوة فقط.
نسي نتنياهو وترامب أن إيران شعب قديم وأنه قد يصبر على خسائر تكتيكية لكنه يعتز بإرثه وتاريخه وأنه يمتلك ذاكرة كبيرة كما يقول "فوكو" الفيلسوف الفرنسي "الذاكرة هي القوة"؛ وأنه يمتلك بجانب القوة المحدودة عناصر أخرى مثل الجغرافيا حيث المساحة وحيث التحكم في مضيق هرمز؛ وحيث السكان فالعدد يتجاوز 93 مليون إنسان؛ وحيث إمكانية الصبر على أذى الآخرين وحيث إن النظام يقاتل قتال اليائس وظهره إلى الحائط؛ فكل الأبواب مغلقة أمامه إلا باب الاستسلام دون قيد أو شرط، وحيث الكرامة والسيادة وكلها عناصر تصنع فرقًا كبيرًا بين القوة والقدرة كالفرق بين السماء والأرض؛ لذلك فمثل هؤلاء القادة الذين يدورون حول ذواتهم فقط يهلكون أنفسهم وشعوبهم؛ بل إن الأمر يتجاوز ذلك إلى العالم أجمع.
إن ما فعله ترامب ونتنياهو لا يعدو إلا أن يكون إذكاءًا للتطرف واستمرارًا لحالة الحرب وإبقًاءً للوضع على ما هو عليه بشكل أسوأ بكثير مما حدث في السنوات الماضية؛ وأزعم أن لذلك تأثيرات مدوية في المستقبل القريب والبعيد على حد سواء؛ حتى لو توقفت الحرب الآن أو بعد أسبوعين أو ثلاثة.