أحمد فضل شبلول: الكتاب الإلكتروني يفرض نفسه في العصر الرقمي | خاص
قال الكاتب الكبير أحمد فضل شبلول إن الكتاب الإلكتروني لم يعد مجرد وسيلة بديلة للكتاب الورقي في ظل الظروف التي يشهدها العالم اليوم، بل أصبح واقعًا يفرض نفسه بقوة في سياق التحول الرقمي المتسارع الذي يطغى على مختلف مجالات المعرفة والثقافة، خاصة مع ما نشهده من إلغاء لعدد من الفعاليات الثقافية الكبرى، وعلى رأسها بعض معارض الكتب، إلى جانب تأجيل أنشطة ودراسات في أكثر من دولة، ومن بينها دول في منطقة الخليج العربي.
الكتاب الإلكتروني
وأوضح في تصريحات خاصة لـ إيجبتك، أن هذه التطورات ليست طارئة تمامًا، بل جاءت امتدادًا لمسار بدأ يترسخ منذ سنوات، وبرز بشكل واضح خلال فترة جائحة كورونا، حين فرضت ظروف العزل الصحي الاعتماد شبه الكامل على الوسائط الرقمية، فكان الكتاب الإلكتروني أحد أهم الأدوات التي حافظت على استمرار فعل القراءة والتواصل المعرفي في تلك المرحلة، مؤكدًا أن تلك الفترة أثبتت عمليًا نجاح التجربة الرقمية وقدرتها على الصمود في أصعب الظروف.
وأضاف أن المشهد الثقافي اليوم يشهد تحولًا عميقًا في أنماط القراءة، حيث أصبحت الأجيال الجديدة تميل بدرجة كبيرة إلى القراءة عبر الشاشات، سواء من خلال أجهزة الحاسوب أو الهواتف المحمولة أو الأجهزة اللوحية، بعد أن نشأت في بيئة رقمية جعلت التعامل مع النصوص الإلكترونية أمرًا مألوفًا وطبيعيًا لديها، على عكس الأجيال السابقة التي ارتبطت بالكتاب الورقي بوصفه الوسيط الأساسي للمعرفة.
المكتبات الإلكترونية
وأشار إلى أن المكتبات الإلكترونية المتعددة التي ظهرت وانتشرت في السنوات الأخيرة، سواء العربية أو الأجنبية، لعبت دورًا مهمًا في تعزيز هذا الاتجاه، حيث أتاحت عددًا كبيرًا من الكتب، خاصة الكتب التراثية والدراسات القديمة، بشكل مجاني أو شبه مجاني، وهو ما ساهم في توسيع دائرة القراءة وإتاحة المعرفة لفئات لم تكن قادرة في السابق على الوصول إلى هذه المواد بسهولة.
الكتب الورقية
ولفت إلى أن هذه التحولات لا تقتصر على الشباب فقط، بل بدأت تمتد أيضًا إلى فئات عمرية أكبر، مع تزايد الاعتياد على القراءة الرقمية، خصوصًا في ظل الارتفاع الملحوظ في أسعار الكتب الورقية من ناحية، وما تمثله من عبء مكاني داخل المنازل من ناحية أخرى، حيث لم يعد من السهل على كثير من القراء الاحتفاظ بمكتبات ورقية كبيرة كما كان الحال في السابق.
وتحدث شبلول عن تجربته الشخصية في هذا السياق، موضحًا أنه قام بالتبرع بنحو ثلاثة آلاف كتاب من مكتبته الخاصة إلى جامعة القاهرة، في إطار مبادرة تهدف إلى إتاحة هذه الكتب أمام أجيال جديدة من الباحثين والطلاب، والتخفيف من الأعباء المرتبطة بتكدس الكتب الورقية، مع الحفاظ على قيمتها المعرفية من خلال إعادة إتاحتها بشكل منظم.
كما أشار إلى أن لديه تجارب فعلية في مجال النشر الإلكتروني، حيث قام بنشر عدد من دواوينه الشعرية ودراساته الأدبية عبر منصات ومكتبات إلكترونية، الأمر الذي أتاح لتلك الأعمال فرصة الوصول إلى قراء خارج الحدود الجغرافية، في دول مختلفة حول العالم، وهو ما يصعب تحقيقه في كثير من الأحيان عبر النشر الورقي التقليدي الذي يظل محدود الانتشار جغرافيًا وتوزيعيًا.
مزايا الكتاب الإلكتروني
وأكد أن من أبرز مزايا الكتاب الإلكتروني أنه يتيح إمكانيات تقنية وتفاعلية لا يوفرها الكتاب الورقي، مثل إمكانية تكبير حجم الخط أو تصغيره وفق احتياجات القارئ، وإضافة التعليقات والملاحظات، وتلوين النصوص أو وضع علامات عليها، وهي خصائص تجعل تجربة القراءة أكثر مرونة وتكيفًا مع احتياجات المستخدم، وتمنحه قدرة أكبر على التفاعل مع المحتوى.
وفيما يتعلق بمستقبل الكتاب الورقي، أوضح أنه يرى أن المرحلة الحالية هي مرحلة توازن وتوازي بين الكتاب الورقي والكتاب الإلكتروني، حيث لا يزال كل منهما يؤدي دوره، إلا أن الاتجاه العام يشير إلى أن الكتاب الإلكتروني قد يصبح هو الشكل الأكثر انتشارًا في المستقبل، مستندًا في ذلك إلى طبيعة التحولات التاريخية التي شهدها فعل القراءة عبر العصور.
تطور وسائل تدوين المعرفة
واستشهد بتطور وسائل تدوين المعرفة تاريخيًا، بدءًا من النقوش على الأحجار، مرورًا بالبرديات، وصولًا إلى المخطوطات، ثم اختراع الطباعة في منتصف القرن الخامس عشر، مشيرًا إلى أن كل مرحلة من هذه المراحل كانت تقابل في بدايتها بشيء من التحفظ أو الخوف، قبل أن تتحول لاحقًا إلى الشكل السائد في نقل المعرفة.
وأضاف أن الأجيال الجديدة، التي تنشأ اليوم في بيئة رقمية بالكامل، ستكون هي العامل الحاسم في تحديد شكل مستقبل القراءة، خاصة مع تزايد الاعتماد على الوسائط الصوتية أيضًا، والتي أصبحت جزءًا مهمًا من منظومة المعرفة الحديثة، إذ تلبي احتياجات فئات تفضل الاستماع على القراءة المباشرة، أو لا تملك الوقت الكافي للقراءة التقليدية.
اتحاد كتاب الإنترنت
وأشار الكاتب أحمد فضل شبلول إلى وجود تجربة مؤسسية مرتبطة بالتحول الرقمي، موضحًا أن هناك كيانًا يُعرف باسم اتحاد كتاب الإنترنت العرب، تأسس عام 2005 ومقره الأردن، ويهدف إلى دعم فكرة الثورة الرقمية في الكتابة والنشر، والمساهمة في ترسيخ الوعي الرقمي لدى الكُتّاب والقراء في العالم العربي، بما يتماشى مع التحولات الجارية في مجال النشر الإلكتروني.
واختتم شبلول تصريحاته بالتأكيد على أن الكتاب الورقي رغم كل هذه التحولات سيظل حاضرًا، ولو بشكل أقل، لأنه لا يزال يحتفظ بخصوصيته المادية والثقافية، لكنه في الوقت نفسه أشار إلى أن المستقبل يميل تدريجيًا نحو الرقمنة، مع بقاء الكتاب الورقي أقرب إلى الطابع التراثي أو التوثيقي في ظل تسارع التحول الرقمي واعتماد المعرفة على الوسائط الإلكترونية.