رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أول اجتماع لـ المركزي بعد الحرب.. استبيان «إيجبتك» يكشف مصير أسعار الفائدة

البنك المركزي المصري
البنك المركزي المصري

تتجه أنظار الأسواق المالية والمستثمرين، بل ومجتمع الأعمال بأكمله، بترقب شديد إلى أروقة البنك المركزي المصري، حيث تعقد لجنة السياسة النقدية اليوم اجتماعها الحاسم لبحث مصير أسعار الفائدة، وهو اجتماعٌ يكتسب أهمية استثنائية وتاريخية لكونه الأول منذ اندلاع العدوان الأمريكي وتصاعد التوترات مع إيران في 28 من فبراير الماضي، وهو الحدث الجيوسياسي الذي ألقى بظلاله الثقيلة على المشهد الاقتصادي المحلي، وأدى إلى إرباك حسابات الأسواق العالمية بأسرها.

ماذا على طاولة اجتماع البنك المركزي اليوم

 فقد قفزت أسعار النفط العالمية في موجات متتالية لتتجاوز في ذروتها حاجز الـ 115 دولارات للبرميل، مما وضع الحكومة أمام تحدي مباشر وقاسي لضبط إيقاع عجز الموازنة العامة للدولة، ولم يكن أمام صانع القرار المالي سوى اتخاذ قرار استثنائي برفع أسعار الوقود محلياً بنسب وصلت إلى 30%، وهو ما أحدث بدوره ارتدادات عنيفة على معدلات التضخم التي بات يتوقع أن تكسر حاجز الـ 16% بنهاية شهر مارس الماضي.

وعليه، تجد لجنة السياسات النقدية في اجتماع البنك المركزي اليوم نفسها اليوم أمام شبكة معقدة من المتغيرات المتداخلة، وفي محاولة لقراءة المشهد وفك تداخلاته، استطلعت «إيجبتك» آراء عينة ممثلة لأبرز الاقتصاديين في مصر، ضمت 4 من كبار رؤساء وقيادات العمل المصرفي، و4 من أبرز خبراء الاقتصاد وأسواق المال، للوقوف على توجهات البنك المركزي في هذه اللحظة الفارقة، والتي تتأرجح بين امتصاص الموجة التضخمية الثانية الناجمة عن «صدمة الوقود»، وبين ضمان استمرار جاذبية العملة المحلية أمام التقلبات العنيفة للأسواق الناشئة.

اجتماع البنك المركزي
اجتماع البنك المركزي

القيادات المصرفية تنقسم.. وصوت «الرفع» يلوح في الأفق

في مستهل قراءتنا للمشهد من داخل أروقة صناعة القرار المصرفي، يبدو أن الآمال التي انتعشت سابقاً باقتراب دورة التيسير النقدي قد تبددت تماماً، فقد كشف أحد قيادات البنوك الحكومية الكبرى في مصر، في تصريح خاص ومباشر لـ «إيجبتك»، أن خيار خفض أسعار الفائدة أصبح أمراً «غير مطروح » على طاولة اجتماعات لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي اليوم. 

وأكد المصدر المصرفي المسؤول أن النقاش والمفاضلة باتا محتدمين ومحسومين فقط بين خياري «التثبيت» أو «الرفع»، متجهًا إلى ترجيح كفة التشديد النقدي، ومتوقعاً أن يلجأ البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة كخطوة استباقية وضرورية لامتصاص تداعيات الموجة التضخمية الناتجة بشكل مباشر عن تداعيات العدوان على إيران وما تتبعته من اضطراب في سلاسل الإمداد والطاقة.

من جهة أخرى، برز صوت مصرفي آخر يميل إلى التهدئة، حيث رجح محمد علي، رئيس بنك أبو ظبي الإسلامي، اتجاه البنك المركزي المصري إلى تثبيت أسعار الفائدة، موضحًا أن المركزي يسعى جاهداً في هذه المرحلة الدقيقة لتحقيق معادلة التوازن الصعبة بين هدفين أساسيين: السيطرة على غول التضخم من جهة، ودعم النشاط الاقتصادي وحركة الأسواق من جهة أخرى، موضحًا أن قرار التثبيت يبدو الخيار الأقرب للمنطق والواقع في الوقت الحالي.

بين الحذر والتشريح المالي لهيكل الاقتصاد

وفي نقطة التقاء وسطية تجمع بين الحذر الشديد وترقب المآلات، يدخل حسين الرفاعي، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لبنك التنمية الصناعية، على خط النقاش، ليؤكد على أولوية التريث، مرجحًا الانتظار لتقييم الآثار العميقة للحرب الجارية في المنطقة، مشيراً إلى بعد فني هام يتمثل في كون القطاع المصرفي لا يزال يمر بمرحلة «تقفيل» وتسويات مالية لدفاتره، وهو العامل الذي قد يعزز من فرص تثبيت أسعار الفائدة، وإن كان لا يستبعد في الوقت ذاته أن تدفعنا الظروف بشكل مفاجئ لرفعها.

وعن التوقعات المتداولة بكثرة والتي تشير إلى إمكانية اتجاه البنك المركزي لرفع أسعار الفائدة مجدداً لتصل ربما إلى نطاق يتراوح بين 19% و20%، نوه الرفاعي في تصريحاته الخاصة لـ «إيجبتك» بأنه في عالم المال والسياسة النقدية المعاصر لا يوجد شيء مستبعد في الوقت الراهن، موضحًا أن صانع السياسة النقدية يتخذ قراراته بناءً على قراءة ديناميكية كلية للظروف المحيطة، مشدداً على أن كل ما يتم تداوله في الأروقة حالياً لا يتعدى كونه توقعات، ولا يمكن لأي خبير أو مصرفي الجزم بالقرار النهائي للمركزي قبل صدوره رسمياً.

اجتماع البنك المركزي
اجتماع البنك المركزي

الدولار والأموال الساخنة

لتحليل جذور الأزمة النقدية، يستبعد ماجد فهمي، رئيس بنك بلوم السابق، خيار خفض الفائدة تماماً، موضحًا أن رفع الفائدة لن يعالج التضخم، لأنه بالأساس تضخم مستورد ناتج عن ارتفاع الدولار وليس زيادة الطلب، محذراً من أن الرفع سيزيد أعباء التكلفة على الشركات والمستهلكين. ورغم ذلك، يرى للرفع ميزة وحيدة تتمثل في حماية المدخرات والحد من مسارعة المواطنين نحو الدولرة.

ولخص فهمي تحديات الجنيه في خمس نقاط مفصلية، أولاً: توقع استمرار انخفاض الجنيه بعد ملامسة الدولار مستوى 54 جنيهاً.

ثانياً: عدم التوفيق في الاعتماد التاريخي على الأموال الساخنة التي أدى خروجها المفاجئ لخفض قيمة العملة. 

ثالثاً: تراجع الإيرادات الدولارية الأساسية لقناة السويس والسياحة بفعل توترات المنطقة. 

رابعاً: إحجام العاملين بالخارج عن التحويل ترقباً لارتفاعات جديدة للدولار. 

خامساً: تزايد أعباء خدمة الدين وتكلفة الاستيراد، مستبعدًا تدخل المركزي بضخ سيولة من الاحتياطي البالغ 52,6 مليار دولار في يناير 2026 لدعم الجنيه، لكونه مخصصاً لتأمين السلع الأساسية.

صدمة عرض لا طلب.. 3 أسباب علمية تدعم «التثبيت»

يضع هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث بشركة «الأهلي فاروس»، تشريحاً علمياً للمشهد، متوقعاً ارتفاع التضخم بالمدن إلى نطاق (16% - 16.5%) بنهاية مارس متأثراً بصدمات الأسعار. ورغم ذلك، يحدد جنينة ثلاثة أسباب جوهرية ترجح كفة تثبيت الفائدة، الأول هو هامش الفائدة الحقيقية، حيث استمرار العائد الإيجابي المريح، حيث يبلغ سعر الكوريدور" 19.5%، بينما تصل الفائدة الفعلية للقروض بين 6% و7%، وهو مستوى كافي للتشديد النقدي دون الحاجة لرفع إضافي.

السبب الثاني بحسب جنينة، هو طبيعة موجة التضخم مؤكدًا أنها صدمة عرض ناتجة عن ارتفاع تكاليف الإنتاج والاستيراد، وليست ناتجة عن زيادة في الطلب، مما يقلل من جدوى أدوات التشديد التقليدية؛ والدليل هو تراجع القدرة التسعيرية بالأسواق نتيجة شح السيولة الفعلي.

ثم تأتي تكلفة الدين الحكومي، كمسبب ثالث، حيث إن أي رفع إضافي سيعني فوراً زيادة أعباء التمويل على الموازنة العامة للدولة، خاصة في ظل القيود الصارمة التي وضعها المركزي منذ مارس 2024 بشأن تمويل العجز.

الخبراء الاقتصاديون: صدمة العرض تفرض واقعاً جديداً

وفي ذات السياق، يرى أحمد معطي، خبير الأسواق المالية، أن المتغيرات الجيوسياسية "وأدت" خطط التيسير النقدي تماماً. فبعد أن كانت التوقعات تشير لخفض حتمي للفائدة لاستغلال الفارق الإيجابي مع التضخم، غيرت قفزة أسعار النفط فوق 1150 دولاراً ورفع أسعار الوقود محلياً بنسبة 30%)المشهد كلياً.

ويؤكد معطي أن هذه الضغوط المباشرة دفعت المركزي لتبني سياسة "الانتظار والترقب" لامتصاص صدمة العرض ومنع موجة تضخمية ثانية، ما يرجح كفة التثبيت الحذر لحين استقرار الأوضاع الإقليمية.

التثبيت.. درع واقي للموازنة والإنتاج

تتوافق هذه الرؤى مع تحليل الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح، الذي يعتبر التثبيت هو السيناريو الأقرب استناداً لإشارات تباطؤ التضخم النسبي، محذراً من أن الرفع الانفعالي سيفاقم أعباء خدمة الدين المحلي المنهكة أصلاً. 

ومن جهته، يرجح الخبير الاقتصادي الدكتور علي الإدريسي خيار التثبيت لفرض حالة من الاستقرار تمكن الأسواق من استيعاب الفائدة الحالية، لافتاً إلى أن المركزي يراقب المشهد ولن يتسرع، حفاظاً على عجلة الإنتاج ومعدلات النمو من الاختناق المالي.

ختاماً.. خفض أم رفع أسعار الفائدة؟

تقف لجنة السياسة النقدية اليوم أمام مفترق طرق معقد مدفوعة بمتغيرات جيوسياسية قهرية، وتتقاطع آراء القيادات المصرفية وخبراء الاقتصاد حول إجماع شبه تام باستبعاد خيار «خفض الفائدة»، لينحصر القرار بين فرضية التثبيت الحذر وهو الخيار الأرجح لحماية الموازنة من الديون وامتصاص صدمة العرض، وبين سيناريو الرفع المباغت كأداة هامة للحد من الدولرة،  ويبقى القرار انعكاساً لمدى قدرة الاقتصاد المصري على المناورة في بحر المتغيرات الإقليمية المتلاطمة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء