رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ذكرى الانتداب البريطاني على فلسطين.. كيف دخل الإنجليز الأراضي المحتلة؟

الانتداب البريطاني
الانتداب البريطاني على فلسطين

تحل اليوم ذكرى بدء دخول القوات البريطانية إلى الأراضي الفلسطينية، في مرحلة تاريخية فاصلة أنهت الحكم العثماني في المنطقة، ومهدت لبدء حقبة الانتداب البريطاني على فلسطين، وهي الحقبة التي ارتبطت بشكل مباشر بسياقات الحرب العالمية الأولى، وبإعلان وعد بلفور الذي منح دعمًا سياسيًا بريطانيًا لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، ما شكل لاحقًا أحد أهم التحولات السياسية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، وأثر بشكل عميق على المسار التاريخي والسياسي للمنطقة خلال العقود التالية.

وتأتي هذه الذكرى في سياق استعادة سلسلة من الأحداث العسكرية والسياسية التي بدأت خلال الحرب العالمية الأولى، والتي أعادت رسم خريطة النفوذ في المشرق العربي، بعد انهيار الدولة العثمانية وتراجع سيطرتها على معظم أراضيها في المنطقة، لتدخل فلسطين بعدها مباشرة في مرحلة جديدة من الإدارة والاحتلال تحت ما عُرف بالانتداب البريطاني.

<span style=
الانتداب البريطاني على فلسطين

بداية التحركات العسكرية البريطانية في فلسطين

تشير الدراسات التاريخية إلى أن التحركات العسكرية البريطانية نحو فلسطين بدأت بشكل فعلي في ربيع عام 1917، ضمن إطار العمليات العسكرية التي كانت تقودها بريطانيا ضد القوات العثمانية في الشرق الأوسط خلال الحرب العالمية الأولى، حيث كانت بريطانيا تسعى إلى توسيع نطاق سيطرتها في المنطقة عبر سلسلة من الهجمات المتتالية التي استهدفت المواقع العثمانية في سيناء وفلسطين.

وشهدت تلك المرحلة تنفيذ أول هجوم كبير فيما عرف باسم «معركة غزة الأولى» خلال الفترة من 25 إلى 27 مارس 1917، وهي المعركة التي انتهت بفشل القوات البريطانية في تحقيق أهدافها العسكرية، رغم التفوق العددي والتسليحي الذي كان في صالحها مقارنة بالقوات العثمانية، الأمر الذي دفع القيادة العسكرية البريطانية إلى إعادة تقييم خططها وإعادة تنظيم قواتها بشكل أكثر دقة استعدادًا لموجة هجوم جديدة أكثر شمولًا.

<span style=
الانتداب البريطاني على فلسطين

إعادة التنظيم العسكري وبداية التحول الميداني

بعد فشل الهجوم الأول، عملت القيادة البريطانية على إعادة بناء قوتها العسكرية في المنطقة بشكل موسع، حيث تم تعزيز القوات وتطوير خطط القتال وتغيير أساليب التقدم الميداني، استعدادًا لمرحلة جديدة من العمليات العسكرية التي تستهدف اختراق الدفاعات العثمانية في جنوب فلسطين، تمهيدًا للوصول إلى عمق الأراضي الفلسطينية.

وفي هذا السياق، بدأت ملامح التحول العسكري تظهر بشكل واضح مع نهاية أكتوبر 1917، عندما أعادت بريطانيا تجهيز قواتها لتنفيذ هجوم واسع النطاق، استند إلى حشد قوات أكبر وتنظيم عمليات دعم وإمداد أكثر كفاءة، ما ساعد في تغيير ميزان القوى على الأرض خلال فترة قصيرة نسبيًا مقارنة بالمحاولات السابقة.

<span style=
الانتداب البريطاني على فلسطين

هجوم 27 أكتوبر 1917 وتغيير ميزان القوى

في 27 أكتوبر 1917، أطلقت القوات البريطانية بقيادة الجنرال إدموند اللنبي هجومًا كبيرًا على المواقع العثمانية في جنوب فلسطين، بعد أن أعادت تنظيم قواتها لتصل إلى نحو 100 ألف مقاتل، في مقابل نحو 20 ألف جندي عثماني فقط، وهو ما شكل فارقًا كبيرًا في ميزان القوى العسكري على الأرض.

وقد أسفر هذا الهجوم عن تحقيق تقدم ميداني واسع للقوات البريطانية، انتهى بالسيطرة على أجزاء كبيرة من جنوب فلسطين، وصولًا إلى خط يافا ـ القدس، وهو الخط الذي شكل نقطة تحول استراتيجية في مسار العمليات العسكرية، ومهد لاحقًا لاستكمال السيطرة البريطانية على باقي الأراضي الفلسطينية خلال الفترة التالية.

<span style=
الانتداب البريطاني على فلسطين

استكمال السيطرة وتقدم بطيء في شرق وشمال فلسطين

بعد تحقيق التقدم في الجنوب، لم تتمكن القوات البريطانية من استكمال السيطرة على كامل الأراضي الفلسطينية بشكل فوري، حيث واجهت مقاومة في مناطق شرق الأردن وشمال فلسطين خلال الفترة بين مارس وأبريل 1918، ما أدى إلى تباطؤ نسبي في وتيرة التقدم العسكري خلال تلك المرحلة.

ورغم التفوق العددي البريطاني، فإن طبيعة التضاريس والظروف الميدانية، إلى جانب بعض التحصينات العسكرية، ساهمت في تأجيل الحسم الكامل للمعارك، وهو ما دفع القيادة البريطانية إلى إعادة ترتيب خططها العسكرية استعدادًا لهجوم أكثر شمولًا وحسمًا في المرحلة التالية من العمليات.

الهجوم الحاسم في سبتمبر 1918 وسقوط السيطرة العثمانية

في 19 سبتمبر 1918، شنت القوات البريطانية هجومها الحاسم بقيادة الجنرال إدموند اللنبي، في واحدة من أكبر العمليات العسكرية في تلك المرحلة، حيث بلغ قوام القوات البريطانية نحو 468 ألف جندي، بينهم ما يقارب 100 ألف مقاتل في الخطوط الأمامية، وهو ما منحها تفوقًا كبيرًا على القوات العثمانية في مختلف محاور القتال.

وقد أدى هذا الهجوم إلى انهيار خطوط الدفاع العثمانية في فلسطين بشكل تدريجي، وانسحاب القوات من مواقعها الرئيسية، ما فتح الطريق أمام بريطانيا لإحكام سيطرتها الكاملة على الأراضي الفلسطينية، وإنهاء الوجود العسكري العثماني في المنطقة بشكل فعلي خلال تلك المرحلة.

<span style=
الانتداب البريطاني على فلسطين

بداية الانتداب البريطاني 

مع انتهاء العمليات العسكرية، دخلت فلسطين مرحلة جديدة عرفت باسم الانتداب البريطاني، وهي المرحلة التي تولت فيها بريطانيا الإدارة السياسية والعسكرية للأراضي الفلسطينية بعد انهيار الدولة العثمانية، ضمن ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى وتقسيم النفوذ في المنطقة بين القوى الكبرى.

وخلال هذه المرحلة، بدأت تتشكل سياسات جديدة على الأرض، ارتبطت بتطبيق تدريجي لتوجهات سياسية سابقة، من بينها وعد بلفور، ما أدى إلى تغييرات متسارعة في البنية الإدارية والسكانية والسياسية لفلسطين خلال السنوات التالية.

امتدت فترة الانتداب البريطاني لسنوات طويلة، وشهدت خلالها فلسطين تحولات متتالية على المستويات السياسية والاجتماعية، مع تزايد التوترات بين مختلف الأطراف، وتنامي الصراعات حول الأرض والهوية والسيادة، وهو ما جعل تلك المرحلة من أكثر الفترات تأثيرًا في تاريخ المنطقة الحديث.

وبذلك، شكل دخول القوات البريطانية إلى فلسطين بداية مسار تاريخي طويل امتد تأثيره إلى مراحل لاحقة من الصراع في المنطقة، وظلت تداعياته حاضرة في المشهد السياسي حتى اليوم.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء