رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

اقتصادي: ثقب الموازنة الأسود.. كيف ابتلعت الطاقة والعملة زيادة الحد الأدنى؟

الدكتور عز الدين
الدكتور عز الدين حسنين الخبير المصرفي

قال الخبير المصرفي الدكتور عز الدين حسنين إن رفع الحد الأدنى للأجور من 7000 جنيه إلى 8000 جنيه بواقع 1000 جنيه زيادة هو خطوة ضرورية، ولكنه غير كافٍ بمقاييس علم الاقتصاد الكلي. فبينما نجحت الحكومة في تجنب "الانفجار التضخمي" الذي قد ينتج عن ضخ سيولة هائلة فجأة، فإنها تركت المواطن في مواجهة فجوة معيشية حقيقية تتجاوز الـ10%.

 

معركة الـ14% في مواجهة أمواج الغلاء

 

وأضاف أنه في ظل مشهد اقتصادي عالمي ومحلي متسارع المتغيرات، أطلقت الحكومة المصرية حزمة اجتماعية جديدة بزيادة الحد الأدنى للأجور بمقدار 1000 جنيه، لتصل النسبة إلى 14% من الحد الأدنى السابق 7000 جنيه. ورغم أن هذه الخطوة تأتي كـ"طوق نجاة" لمحاولة احتواء حماية المواطن من موجات الغلاء، فإن لغة الأرقام الصماء تفرض تساؤلًا جوهريًا: هل هذه الزيادة هي استجابة حقيقية لواقع السوق، أم أنها مجرد مسكن مؤقت في ظل تحركات عنيفة لأسعار الطاقة وسعر الصرف؟

وأوضح الخبير المصرفي في دراسة حصل عليها موقع " ايجبتك "أن تحليل الفجوة بين الأجر الاسمي والأجر الحقيقي يكشف أبعادًا أعمق تتجاوز مجرد إضافة رقم مالي إلى موازنة الدولة.

أولًا : تحليل الفجوة (الأرقام لا تجامل)
 

عند وضع الزيادة المقررة في كفة، والمتغيرات الاقتصادية في الكفة الأخرى، نجد اختلالًا واضحًا في ميزان القوة الشرائية، فقد واجه المواطن ضربتين مزدوجتين هما:

 

(1) صدمة الطاقة، لا سيما أن زيادة الحد الأدنى 14% جاءت متأخرة عن وتيرة ارتفاع أسعار الوقود (بنزين 17% وبوتاجاز 22%). وبما أن الطاقة هي "المحرك الكلي" للأسعار، فإن أثرها على سلة الغذاء والخدمات يضاعف الضغط على ذوي الدخل المحدود.

 

(2) تخفيض العملة، حيث تحرك سعر الصرف من 46.5 إلى 55 جنيهًا بزيادة تقترب من 18%، ما يعني آليًا تآكل قيمة المدخرات والدخول بنفس النسبة، وهو ما يجعل الزيادة المقررة لا تغطي حتى فارق تغير العملة، دون احتساب التضخم السعري الناتج عنها. كما أن تحرك سعر الصرف في الاقتصاد المصري، الذي يعتمد بشكل كبير على الاستيراد (سواء سلع نهائية أو مستلزمات إنتاج)، سينعكس فورًا على الأسعار النهائية.

 

وأضاف أنه بحساب علمي، إذا فقدت العملة 18% من قيمتها وارتفعت الطاقة بنسب تتجاوز 20%، فإن التضخم الحقيقي الذي يواجهه المواطن يتجاوز حاجز 30% كمتوسط مرجح، وبالتالي فإن زيادة 14% في الحد الأدنى للأجور تعني عمليًا انخفاضًا في الأجر الحقيقي رغم زيادة الأجر الاسمي.

 

ولحساب "الزيادة العادلة" من منظور اقتصادي، يجب الابتعاد عن العواطف أو التقديرات الجزافية، والاعتماد على معادلة "استعادة القوة الشرائية".

 

الزيادة العادلة هي التي تعيد الموظف إلى نفس النقطة التي كان عليها قبل حدوث "الصدمات السعرية" الأخيرة. ولحساب ذلك، يُستخدم متوسط مرجح لثلاثة عوامل أساسية :

 

(1) معادلة القوة الشرائية


المحدد الأول هو التغير في سعر الصرف، لأن الاقتصاد المصري "مستورد للتضخم". كان سعر الصرف قبل الحرب الحالية في حدود 46.5 جنيه لكل دولار، بينما يبلغ حاليًا 55 جنيهًا، أي أن نسبة انخفاض الجنيه تقارب 18.3%. وبالتالي، فإن أي زيادة في الحد الأدنى للأجور أقل من 18.3% تعني أن الموظف خسر جزءًا من قيمة دخله مقومًا بالسلع المستوردة (التي تدخل في تصنيع كل شيء من الزيت إلى الأجهزة الكهربائية).

 

(2) معامل تضخم "سلة الغذاء الأساسية"


من المعروف أن التضخم لا يضرب الجميع بالتساوي، فالأسر التي تتقاضى الحد الأدنى تنفق نحو 45% إلى 50% من دخلها على الطعام والشراب والطاقة. وزيادة البوتاجاز (22%) والبنزين (17%) ترفع تكلفة هذه السلة بنسبة مركبة تتجاوز التضخم العام المعلن.


اقتصاديًا، يجب إضافة "هامش حماية" بنسبة 5% إلى 7% فوق معدل التضخم العام لتغطية قفزات السلع الأساسية.

 

(3) حساب الزيادة العادلة


بناءً على المعطيات أعلاه، يمكن صياغة الزيادة العادلة كالتالي:


علاوة تضخم الطاقة والسلع الأساسية 10% كحد أدنى، يُضاف إليها نسبة انخفاض العملة المحلية 18.3%، لتصبح النسبة الإجمالية المستهدفة لزيادة الحد الأدنى للأجور في نطاق من 28% إلى 30% من الحد الأدنى السابق البالغ 7000 جنيه، لتصل إلى 10400 جنيه (عشرة آلاف وأربعمائة جنيه).

 

لماذا 10,400 وليس 8000؟ الأسباب العلمية:

 

  1. امتصاص صدمة الوقود: الزيادة المقترحة (2400 جنيه بنسبة 30%) بدلًا من 1000 جنيه تضمن قدرة الموظف على تغطية فرق سعر أسطوانة البوتاجاز والنقل، مع الحفاظ على استهلاكه من السلع الأساسية.
  2. تحفيز الطلب المحلي: عندما تنهار القوة الشرائية لنحو 5 ملايين موظف، يدخل السوق في حالة "ركود تضخمي". والوصول إلى 10,400 جنيه يضمن استمرار دوران عجلة الاقتصاد المحلي.
  3. سد فجوة الادخار: أي مبلغ أقل من ذلك يحول الموظف إلى مستهلك للطاقة والغذاء فقط، ما يؤدي إلى تراجع الإنفاق على بقية الاحتياجات.
  4.  

وأكد أنه من الجانب الآخر من المعادلة الاقتصادية، فإن زيادة الحد الأدنى للأجور بمقدار 1000 جنيه تكلف الخزانة العامة سنويًا نحو 60 مليار جنيه تقريبًا، يضاف إليها نحو 15 إلى 20 مليار جنيه كأعباء تأمينية. وبالنظر إلى هذه الأرقام، يتضح أن الحكومة استخدمت الوفورات المحققة من رفع أسعار الطاقة لتمويل هذه الزيادة ، إلا أن الفارق الجوهري يكمن في أن "الوفر" الذي حققته الدولة مستدام ويقلل عجز الموازنة، بينما "الزيادة" الممنوحة للموظف ستظل عاجزة عن ملاحقة ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج، ما يعني انخفاض القوة الشرائية الفعلية للمواطن.

 

وأشار إلى أن الحكومة اكتفت بزيادة 1000 جنيه (14%) لأن الوصول إلى 10,400 جنيه سيكلف الموازنة نحو 120 مليار جنيه، أي بزيادة 60 مليار جنيه إضافية، وهو ما قد يؤدي إلى تفاقم عجز الموازنة واللجوء إلى الاقتراض.

وأضاف أن الحل المستدام لا يكمن فقط في زيادة الأجور، بل في ضبط الأسواق ودعم الإنتاج المحلي لتقليل الاعتماد على الاستيراد، وبالتالي تخفيف الضغط على العملة الصعبة. وبدون ذلك، ستظل أي زيادة في الأجور مجرد ملاحقة لسراب في صحراء التضخم، حيث يسبق السعر دائمًا قيمة ما في الجيب.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء