إشتعلت منطقة الخليج العربي بفعل الحرب الصهيوأمريكة على إيران، ومرة أخرى تبدو دول الخليج في موقف المتفرج رغم تعرضها للإعتداء الايراني من جهة وابتزاز امريكي من جهة اخرى ، ووضعت في موقف غاية في السوء والحرج في خندق واحد مع العدو الصهيوني ، لكن النار الان على أرض الخليج مباشرة ، ويكذب من يقول ان دول مجلس التعاون مجرد محايد في هذه المواجهة، بل هي المتضرر الأكبر من الحرب حتى لو لم تعلن دخول الحرب بشكل رسمي .
فالحرب على إيران تعني بالضرورة استهداف البنية التحتية للنفط والغاز في الخليج، وتعني إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره ثلث إنتاج النفط العالمي تقريباً، وتعني تصاعد الاعتداءات التي ستنعكس سلباً على استقرار المنطقة بأكملها ويؤثرعلى جذب الاستثمارات وتحقيق الاستقرار، بعبارة صريحة فإن دول الخليج تدفع الثمن الأغلى من دون أن يكون لها دور في قرار الحرب أو السلم.
هنا يبرز السؤال المهم : لماذا لا تتعامل دول الخليج مع هذه الحرب بنفس المنطق الذي تعاملت به مع حرب أكتوبر 1973 ، على الرغم ان الأضرار تصيبهم بشكل مباشر
في حرب اكتوبر استخدمت الدول العربية ، وفي مقدمتها السعودية والكويت، سلاح النفط بذكاء ووعي ، قطعت الإمداد عن الدول الداعمة للعدو ، وفرضت حظراً نفطياً غير موازين القوى ، وأجبر أمريكا وأوروبا على إعادة حساباتهم ، ولعب النفط آنذاك سلاحاً استراتيجياً بامتياز، وحقق أهدافاً سياسية كبرى لم تكن القوة العسكرية وحدها قادرة على تحقيقها.
أما اليوم، فالصورة مختلفة تماماً ، موقف دول الخليج من الحرب على إيران يتراوح بين الحياد الحذر والقلق وضبط النفس، وكأنها تنتظر ما ستسفر عنه الأيام ، وتركت الملفات الأمنية في المنطقة لتدار بأيد أمريكية صهيونية لا تراعي المصالح الخليجية.
ربما آن الأوان للعودة إلى روح 1973، ولكن بصيغة جديدة تتناسب مع تعقيدات المرحلة ومخاطرها على الخليج.
الاقتراح لا يتعلق بالضرورة بقطع النفط بالكامل، ولكن باستخدام الورقة النفطية كورقة ضغط حقيقية يمكن لدول الخليج أن تهدد بخفض الإنتاج أو تعليق صادرات النفط إلى أحين وقف الحرب على إيران من باب الأمن الخليجي كله .
هذا التهديد لو صدر بصوت موحد، فسيُحدث زلزالاً في الأسواق العالمية، وسيدفع الإدارة الأمريكية وحلفاءها، وفي مقدمتهم دولة الكيان الصهيوني ، إلى إعادة حساباتهم قبل الانزلاق الى هاوية لا يعرف أحد حدودها.
والأهم من ذلك أن الموقف العربي سيفتح الباب أمام إعادة التفكير في مفهوم أمن الخليج ذاته ، فبعد عقود من الاعتماد على الحماية الأمريكية لم تمنع الحروب، ولم توفر الامن ولم تحقق استقراراً حقيقياً للمنطقة ، والتجربة أثبتت أن الأمن المستورد لا يمكن أن يكون بديلاً عن تسوية إقليمية شاملة تشارك فيها جميع أطراف الخليج، وفي مقدمتها إيران ، فمهما بلغت حدة الخلافات، فإن الجغرافيا تفرض واقعاً لا مفر منه ، دول الخليج وإيران معاً في سفينة واحدة، وأي اهتزاز فيها سيغرق الجميع.
التحول المطلوب ليس مجرد رد فعل على أزمة قائمة، بل إعادة هندسة استراتيجية للأمن الإقليمي بعيداً عن الوصاية الخارجية، وبعيداً عن منطق ( المحاور) التي مزقت المنطقة ، إنه خيار صعب، لكن البديل هو الاستمرار في دفع الثمن غالياً مقابل حماية أثبتت فشلها مراراً.
ربما لا تملك دول الخليج خيار منع الحرب بمفردها، لكنها تملك أوراقاً قوية لو استخدمتها بجرأة وذكاء، لغيرت المعادلة تماماً ، وعليها أن تمتلك الإرادة لاستخدام هذه الورقة قبل فوات الأوان.