في ضوء تطورات المشهد الإقليمي، يعكس تفعيل إيران لنموذج “اقتصاد المقاومة” في هذه المرحلة امتدادًا لمنطق استراتيجي طويل الأمد يقوم على التكيف مع بيئة دولية عدائية، حيث لا يُنظر إلى الاقتصاد كأداة تنمية بقدر ما يُوظف كأداة بقاء. فقد طورت طهران هذا النموذج عبر عقود من العقوبات، مستندة إلى الاكتفاء الذاتي النسبي، وتوزيع البنية التحتية لتقليل قابلية الاستهداف، واستخدام آليات بديلة مثل المقايضة والالتفاف على النظام المالي الدولي. ورغم الضغوط غير المسبوقة الناتجة عن الحرب، لا تزال المؤشرات تعكس قدرة نسبية على الصمود، مدعومة باللامركزية وتأمين السلع الأساسية واستمرار الإنفاق الحكومي، إلى جانب تنوع الصادرات الذي يمنح الاقتصاد هامش مناورة إضافي. إلا أن هذا الصمود يحمل في جوهره هشاشة بنيوية، إذ أدى إلى إضعاف الأداء الاقتصادي وارتفاع معدلات التضخم، ومع استهداف منشآت حيوية وقطاعات تصديرية، تتزايد الضغوط بما يهدد استدامة هذا النموذج، ليظل أداة صمود قصيرة الأجل بكلفة تراكمية عالية.
في السياق ذاته، يتحول الملف النووي من كونه قضية فنية وتخصصية إلى ركيزة مركزية في معادلة الردع، حيث تمتلك إيران مخزونًا من اليورانيوم عالي التخصيب يقترب من العتبة العسكرية، مع إمكانية رفعه تقنيًا إلى مستويات الاستخدام العسكري. هذا التطور لا يعكس فقط تقدمًا تقنيًا، بل يفرض معادلة ردع معقدة، خاصة في ظل الغموض حول مواقع التخزين المحصنة وصعوبة الوصول إليها. وبالتالي، يصبح البرنامج النووي ورقة تفاوضية وأداة ردع في آن واحد، تعيد تشكيل حسابات التصعيد والاحتواء، وتدفع نحو سيناريوهات شديدة الحساسية في التعامل مع هذه القدرات.
وعلى المستوى العسكري، تكشف المعطيات أن إيران، رغم الضربات التي تلقتها، لم تفقد قدرتها على الإضرار بخصومها، بل أعادت تشكيل نمط استخدامها للقوة. فبدلًا من الكثافة العددية، تتجه نحو ضربات أكثر دقة واختراقًا، معتمدة على مخزون كبير من الصواريخ والطائرات المسيرة. هذا التحول يعكس تكيفًا استراتيجيًا أكثر منه تراجعًا، حيث باتت القوة تُقاس بقدرة الإرباك المستمر وإدامة الضغط، وليس بحجم النيران فقط. ومن ثم، فإن استمرار الضربات رغم الخسائر القيادية يشير إلى بقاء بنية الردع الإيرانية، وإن كانت تعمل بكفاءة مختلفة.
في المقابل، تطرح التصريحات الأمريكية والإسرائيلية حول تحقيق الأهداف العسكرية مؤشرات على اقتراب مرحلة مفصلية في الحرب، لكنها لا تعني بالضرورة نهاية وشيكة. فهذه التصريحات تعكس محاولة لإعلان “نصر سياسي”، في حين أن الواقع الميداني لا يزال مفتوحًا على احتمالات التصعيد، خاصة مع الفجوة بين أهداف واشنطن الشاملة وسقف التنازلات الإيرانية المحدود. وهنا يظهر تعقيد التفاوض مع إيران، الذي يتسم بالبطء والتكتيكية والقدرة على امتصاص الضغوط، ما يجعل أي مسار تفاوضي مرهونًا بالصبر الاستراتيجي والتماسك الدولي.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع التحول الخطير نحو استهداف القيادات، فيما يُعرف بـ”ضربات قطع الرؤوس”، وهو ما يمثل كسرًا لقواعد غير مكتوبة في النظام الدولي. فرغم الجاذبية التكتيكية لهذه الاستراتيجية، إلا أنها لا تضمن انهيار الأنظمة ذات البنية المؤسسية، بل قد تدفعها نحو مزيد من التشدد، وتفتح الباب أمام تطبيع الاغتيال السياسي، بما يهدد استقرار النظام الدولي على المدى الطويل.
في الإطار الدبلوماسي، يعكس تأخر الرد الإيراني على مقترح وقف إطلاق النار سعي طهران لتدويل المسار التفاوضي، عبر إدخال روسيا والصين كضامنين، بهدف رفع سقف التفاوض والحصول على ضمانات استراتيجية. ويأتي ذلك في مواجهة محاولة أمريكية لفرض “صفقة شاملة” تعيد ترتيب الإقليم، وهو ما ترفضه إيران دون تعديلات جوهرية، خاصة في ظل تمسكها بخطوط حمراء تتعلق بالبرنامج الصاروخي والنفوذ الإقليمي وطبيعة النظام.
أما داخليًا، فتواجه إيران تحديات عملياتية واضحة، حيث تحولت قوات الباسيج إلى نمط دفاعي انكماشي يركز على حماية النظام، مع تراجع في مركزية القيادة نتيجة استهداف البنية الأمنية. ومع ذلك، تم تعويض ذلك عبر نموذج “الفسيفساء الدفاعية” الذي يضمن استمرارية العمليات على المستوى المحلي، بالتوازي مع تكامل الأدوار بين الحرس الثوري كذراع ضاربة، والباسيج كقوة سيطرة ميدانية واستخبارات بشرية. ورغم ذلك، تظل مشكلات الاستنزاف المعنوي واللوجستي قائمة، بما يعكس ضغوطًا داخلية متزايدة.
إقليميًا، تتجه إيران نحو تعظيم أوراقها عبر “الدبلوماسية تحت النار”، حيث تسعى لتحويل الصمود الميداني إلى مكاسب سياسية، مستفيدة من التباينات الدولية، سواء عبر الرهان على التناقض عبر الأطلسي أو استغلال شهية الطاقة الآسيوية. كما توظف شبكة حلفائها الإقليميين ضمن استراتيجية “رزمة المقايضة”، بما يربط تهدئة الجبهات المختلفة بتسوية شاملة تشمل الداخل الإيراني.
وفي هذا السياق، يمثل انخراط الحوثيين امتدادًا لاستراتيجية الضغط الهيكلي على النظام الدولي، عبر تهديد مزدوج لمضيق هرمز وباب المندب، بما يشكل “كماشة” تتحكم في الطاقة والتجارة معًا. هذا الوضع لا يضيف مجرد ضغط عسكري، بل يعيد تشكيل الاقتصاد العالمي، حيث يؤدي تهديد باب المندب إلى ضرب سلاسل الإمداد ورفع تكاليف النقل والتأمين، مع غياب ردع فعال بسبب طبيعة الفاعل غير الدولتي.
على الجانب الدولي، تلعب روسيا والصين دور “ممتص الصدمات”، حيث تدعمان إيران بشكل محسوب يمنع انهيارها دون الانخراط المباشر. فموسكو ترى في الصراع فرصة لاستنزاف واشنطن، بينما تسعى بكين لتحقيق توازن بين الاستفادة من الوضع وتأمين مصالحها الاقتصادية، مع رفضها للعقوبات الأحادية. ومع ذلك، يظل هذا الدعم مشروطًا بعدم التصعيد نحو خيارات قصوى مثل إغلاق هرمز أو التوجه النووي العسكري.
في المقابل، تعكس التداعيات داخل الولايات المتحدة بداية تآكل الدعم السياسي للحرب إذا تحولت إلى صراع طويل، حيث ترتبط استدامة التأييد بكون الحرب سريعة ومنخفضة التكلفة. كما أن ارتفاع أسعار النفط وتكاليف المعيشة يفرض ضغوطًا داخلية قد تؤثر على القرار السياسي.
ختامًا، يتضح أن إيران لا تسعى إلى انتصار عسكري تقليدي، بل إلى تحقيق “تعادل استراتيجي” يضمن بقاء النظام وبرنامجه النووي. وهي تراهن على عامل الزمن واستنزاف الخصوم، مستندة إلى مزيج من الصمود الاقتصادي، والردع العسكري المرن، والمناورة الدبلوماسية. وفي المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى فرض إعادة تشكيل شاملة، ما يجعل الفجوة بين الطرفين مرشحة لإطالة أمد الصراع. وفي ظل هذا التوازن الهش، يبقى الاحتمال الأكبر هو استمرار حالة “اللا حسم”، حيث تتحول الحرب إلى نمط استنزاف طويل يعيد تشكيل قواعد النظام الإقليمي والدولي دون حسم نهائي قريب.