رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

«فلسفة الائتمان».. كيف تحمي البنوك ملياراتها من «تعثر» رجال الأعمال؟

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

مع كل تعثر يضرب إمبراطورية رجل أعمال شهير، وتتصدر أرقام ديونه المشهد، تتجه أصابع الاتهام وعلامات الاستفهام فوراً نحو البنوك: كيف خرجت هذه المليارات؟ وما هي الضمانات التي تبخرت؟ والأهم، كيف تفتح الخزائن للبعض بينما تغلق أمام آخرين؟ والإجابة.. لا تكمن في حجم الاسم، بل في آليات الرقابة الصارمة وفلسفة الائتمان التي تحاول دائماً التمييز بين من يطمح لتوسعة نشاطاته ومن قد تأخذه طموححاته لمهب الريح، لتتجنب صناعة مدين متعثر جديد يربك حسابات السوق، فالخيط بين المستثمر العبقري والمدين المتعثر رفيع جداً، والسر دايماً مخبي في كلمة واحدة وهي الاستدامة.

سيولة ضخمة وكفاءة تدوير .. والمنتج أرباح بـ 601.612 مليار جنيه

يعيش الاقتصاد المصري مرحلة إعادة ترتيب الأوراق بعد توحيد سعر الصرف واستكمال برنامج الصندوق النقد، فالأرقام الرسمية الصادرة عن البنك المركزي المصري بنهاية ديسمبر 2025 ترسم صورة لقطاع مصرفي يتمتع بالسيولة الكافة لإدراة العمليات المصرفية بكفاءة، حيث قفزت إجمالي الأصول لتصل إلى 24.122 تريليون جنيه، مقارنة بنحو 20.8 تريليون في 2024.

كفاءة دعمت مرونة القطاع لبناء قاعدة ودائع عملاء بلغت 15.767 تريليون جنيه، وهو ما مكن البنوك من تحقيق صافي أرباح تاريخي قدره 601.612 مليار جنيه بنمو 12.4%، لكن هذا الرواج لا يعني أن الخزائن مفتوحة للجميع، فالبنوك اليوم تعمل بمبدأ الحذر الشديد، وتفضل أن تظل السيولة حبيسة الدفاتر على أن تمنح لعميل لا يملك خطة استدامة واضحة.

معايير صارمة تركز على الجدارة الائتمانية

تعتمد البنوك في مصر، استناداً إلى قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي رقم 194 لسنة 2020، على معايير صارمة تركز على الجدارة الائتمانية، فلا مكان هنا للأفكار التي تفتقر للأرضية الصلبة، فالمقاييس الموحدة تتطلب 3 معايير أساسية: 

1 - دراسة جدوى احترافية

تلزم البنوك عملائها بتقديم دول زمني دقيق يتضمن الجوانب الفنية والمالية للمشروعات المستهدفة، وهنا لابد أن تظهر النتائج الأولية قدرة المشروع على توليد تدفقات نقدية تغطي خدمة الدين بنسبة لا تقل عن 1.5 مرة، مع حساب معدل العائد الداخلي IRR وفترة استرداد رأس المال بدقة.

2- الملاءة المالية والشفافية

تشترط البنوك تقديم قوائم مالية مدققة وموقعة من محاسب قانوني عن آخر 3 سنوات كشرط أساسي لطلب القروض أو التمويلات، وذلك للتأكد من صحة أرباح ومبيعات الشركة وعدم التلاعب بها. وبناءً على تقارير الاستقرار المالي لعام 2025، يقيم البنك أمان العميل عبر معيارين: 

أولهما «نسبة السيولة» إذ يجب ألا تقل عن 1.2 للتأكد من امتلاك الشركة 120 جنيهاً من الكاش والأصول السريعة مقابل كل 100 جنيه ديون مستحقة عليها قريباً لضمان قدرتها على السداد السريع.

أما المعيار الثاني فهو «الرافعة المالية» التي تقيس حجم ديون الشركة مقارنة بأموال أصحابها الخاصة أو رأس مال المساهمين، حيث تشترط البنوك ألا تتخطى هذه النسبة 3 إلى 1، أي ضمان ألا تزيد ديون العميل عن 3 أضعاف أمواله المستثمرة فعلياً، وذلك لحماية الشركات من مخاطر التعثر المالي أو شبح الإفلاس عند التوسع في الاقتراض.

3- الضمانات الاستراتيجية

وهي رهن الأصول الثابتة من أراضي ومصانع، مع تحويل التدفقات النقدية للحسابات البنكية، وهو الضمان الأقوى الذي يطلبه المصرفيون لضمان عدم تبخر الأموال.

كيف تدار لجان الائتمان؟ ..وما هي آلية اتخاذ القرار؟

خلف الأبواب المغلقة، يستغرق تقييم طلب القرض من 4 إلى 8 أسابيع، وهنا العملية ليست مجرد توقيع، بل هي تشريح للمخاطر وفق معايير بازل 3. 

إذ يتم إخضاع المشروع لما يسمى اختبارات الضغط المالي، لمحاكاة سيناريوهات قاسية مثل ارتفاع الفائدة بنسبة 300 نقطة أساس أو انخفاض الإيرادات بنسبة 30%.

وهنا تتبع اللجان قاعدة ذهبية تتبعها تسمى قاعدة العملاء، فالمشروع الذي يمتلك أكثر من 50 عميلاً فعالاً يحظى بأولوية قصوى، لأن ذلك يقلل من مخاطر التركز ويضمن استدامة الإيرادات. 

من جانبه، يراقب البنك المركزي هذه الحدود بدقة عبر ما يعرف بحدود التعرض لعميل واحد، لضمان عدم وضع البيض كله في سلة مستثمر واحد مهما كان حجمه.

خريطة التمويل: أين تذهب المليارات؟

تتنوع أشكال التمويل في السوق المصري لتناسب حجم الطموح:

1- القروض المشتركة

 وهي الملعب المفضل للمشروعات القومية والطاقة. البنك الأهلي المصري، بحصته السوقية البالغة 48%، قاد تحالفات لترتيب 33 صفقة تمويلية بقيمة 442 مليار جنيه في عام 2025 وحده.

2- تمويل الأصول CAPEX

 قروض طويلة الأجل تصل إلى 15 سنة لإنشاء المصانع وخطوط الإنتاج.

3- المبادرات الحكومية

 توفر تمويلات بأسعار فائدة مخفضة (8% لقطاعات الصناعة والزراعة) لدعم النمو الاستراتيجي.

4- التمويل الإسلامي 

يقدمه بنك مصر ونوافذ أخرى عبر صيغ المرابحة والمشاركة، وهو قطاع شهد نمواً ملحوظاً في صفقات العقارات والطاقة.

أبرز البنوك الداعمة للمشروعات الكبرى

تصدرت البنوك الوطنية والخاصة الكبرى مشهد تمويل الشركات في 2025/2026 بأرقام غير مسبوقة:

  • البنك الأهلي المصري

عملاق السوق المصري. تجاوزت محفظة قروض الشركات لديه حاجز الـ 4 تريليونات جنيه مصري في 2025/2026. يلعب دور "وكيل التمويل" والمرتب الرئيسي لأكبر صفقات القروض المشتركة (أدار صفقات بمئات المليارات خلال 2025).

  • بنك مصر

 الذراع التمويلي القوي الثاني للدولة، يتميز بمرونة كبيرة في تمويل قطاعات المقاولات والصناعة، وله حصة سوقية ضخمة في القروض المشتركة والتمويل الإسلامي للشركات.

  • البنك التجاري الدولي CIB

وهو الخيار المفضل للشركات متعددة الجنسيات وكبرى شركات القطاع الخاص، يتميز بسرعة اتخاذ القرار، التحول الرقمي في إدارة النقد، وهيكلة التمويلات المعقدة.

  • بنك قطر الوطني QNB

يتميز بقوة محفظته الائتمانية وتركيزه على قطاعات التصنيع والتصدير، ويوفر حلولاً مبتكرة لتمويل سلاسل الإمداد.

  • بنك saib

يلعب دوراً متنامياً كبنك مشارك في التحالفات المصرفية (القروض المشتركة) ويوفر تمويلات مرنة للشركات الكبيرة والمتوسطة في قطاعات الأغذية والمقاولات.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء