على الرغم من سيل التحليلات والتقارير التي تبثها وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية حول استعداد الولايات المتحدة الأمريكية لغزو الأراضي الإيرانية، فإنني أميل إلى التشكيك الجدي في إقدام الرئيس Donald Trump على مثل هذه المغامرة العسكرية.
تتعدد السيناريوهات التي تطرحها هذه الوسائل: من السيطرة على اليورانيوم المخصب لمنع استخدامه وإخراجه من معادلة التهديد، إلى احتلال جزيرة أو أكثر من الجزر الواقعة عند مدخل Strait of Hormuz لضمان حرية الملاحة، لا سيما لناقلات النفط والغاز، وصولًا إلى فرض السيطرة على Kharg Island، التي تمثل الشريان الحيوي لصادرات النفط الإيرانية ومنفذها الرئيسي إلى الأسواق العالمية.
ورغم دقة التفاصيل التي تُساق حول تطور العمليات العسكرية، فإن قراءة أعمق للواقع السياسي والاقتصادي والعسكري تشير إلى أن خيار الغزو البري لا يزال مستبعدًا، وذلك لعدة أسباب جوهرية.
ضغوط داخلية متصاعدة
أول هذه الأسباب يتمثل في الضغوط الداخلية التي يواجهها ترامب. فالمعارضة الديمقراطية كثّفت هجومها على سياساته، ونجحت في تحقيق مكاسب انتخابية حتى في ولايات تُعد تقليديًا محسوبة على الحزب الجمهوري، مثل Florida. ولم تتوقف الانتقادات عند هذا الحد، بل امتدت إلى قاعدته الشعبية نفسها، وإلى أوساط الحزب الجمهوري، بل وحتى إلى بعض أنصار حركة “MAGA” التي شكلت عماد صعوده السياسي.
قلق الأسواق وأباطرة المال
إلى جانب ذلك، يواجه ترامب ضغوطًا من أوساط الرأسمالية الأمريكية، وخاصة من كبار المستثمرين في وول ستريت، على خلفية التراجع الملحوظ في مؤشرات البورصة، سواء Dow Jones Industrial Average أو S&P 500، التي شهدت انخفاضًا تجاوز 10% في المتوسط منذ اندلاع المواجهات في 28 فبراير.
هذه المؤشرات ليست مجرد أرقام، بل تُعد بالنسبة لدائرة الرئيس الضيقة—التي تضم رجال أعمال ومستثمرين—مقياسًا مباشرًا لنجاح أو فشل السياسات الاقتصادية. ومن ثم، فإن استمرار التدهور سيدفع هذه الدائرة إلى ممارسة ضغوط مكثفة لإنهاء التصعيد العسكري سريعًا واستعادة استقرار الأسواق.
تعقيدات عسكرية وجغرافية
أما من الناحية العسكرية، فيجمع الخبراء على أن غزو إيران ليس مهمة سهلة. فطبيعة البلاد الجغرافية—بجبالها الوعرة وتضاريسها المعقدة—تجعلها أشبه بقلعة طبيعية محصنة. وأي تدخل بري واسع النطاق قد يترتب عليه خسائر بشرية ومادية جسيمة.
صحيح أن احتلال بعض الجزر قد يكون ممكنًا من الناحية التكتيكية، لكنه لا يحقق مكسبًا استراتيجيًا حاسمًا، ولن يؤدي إلى فك القيود المفروضة على الملاحة في مضيق هرمز. أما استهداف البنية التحتية النفطية، خاصة في جزيرة خرج، فسيكون له تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك الاقتصاد الأمريكي نفسه.
كلفة سياسية باهظة
يبقى العامل السياسي الداخلي حاسمًا. فتكلفة الحرب—ماليًا وبشريًا—قد تنعكس سلبًا على موقع الحزب الجمهوري في الكونغرس، وربما تهدد أغلبيته في مجلسي النواب والشيوخ. وفي حال حدوث ذلك، ستتقلص قدرة الرئيس على تمرير سياساته خلال ما تبقى من ولايته.
التصعيد كأداة تفاوض
لكل هذه الأسباب، يبدو أن التصعيد العسكري—بما يشمله من حشود واستعراض للقوة—قد يكون في جوهره أداة لتعزيز الموقف التفاوضي الأمريكي، في إطار محادثات تُجرى عبر قنوات متعددة، بعضها معلن وبعضها الآخر بعيد عن الأضواء.
أمل في التهدئة
يبقى الأمل أن تحمل الأيام القادمة نهاية لهذا التصعيد الذي وضع العالم على حافة مواجهة خطيرة، وأن تعود حركة الملاحة إلى طبيعتها في مضيق هرمز، وأن يسود قدر من الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.
هل يبدو هذا الأمل بعيد المنال؟ ربما.
لكنه ليس مستحيلًا.
تفاءلوا خيرًا تجدوه