«المسرح المدرسي» تاريخ من التربية وصناعة الوعي ومسيرة إبداع عبر الزمن
في إطار اهتمام وزارة الثقافة المصرية بالمسرح المدرسي، أعلنت الدكتورة جيهان زكي ضرورة فتح مسارح البيت الفني للمسرح والهيئة العامة لقصور الثقافة في القاهرة والمحافظات أمام طلاب المدارس مجانًا، وذلك تمهيدًا لإطلاق المهرجان القومي المصري للمسرح المدرسي في دورته الأولى، الذي تنظمه الوزارة من خلال المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية التابع لقطاع المسرح، بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني.
المسرح المدرسي
وتأتي هذه الخطوة في إطار توجهات الدولة، وبرعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، لاكتشاف الموهوبين، وفي ضوء التوجهات الأخيرة التي أعلنت خلال حفل تكريم الأم المثالية بإطلاق برنامج «دولة الفن والإبداع»، حيث أكدت الوزيرة أن المسرح المدرسي يمثل رافدًا مهمًا لتنمية الوعي، وصقل شخصية النشء، وتعزيز قيم الانتماء والهوية الوطنية.
تاريخ المسرح المدرسي
ارتبط المسرح المدرسي منذ نشأته بالمؤسسة التربوية، ممثلة في المدرسة، باعتبارها البيئة الأنسب لاكتساب العلم والمعرفة ويُعد النشاط المسرحي من أنجح الوسائل في مجال التربية والتعليم، لما له من تأثير فعال في مخاطبة عقول الأطفال ووجدانهم في آن واحد، فضلًا عما يقدمه من أبعاد قد لا يستطيع المعلم إيصالها داخل الفصل الدراسي.
وتبرز أهميته في دوره في تشكيل السلوك، عبر إثارة اهتمام الطلاب وتعزيز مشاركتهم الإيجابية في العملية التعليمية والتربوية بشكل سريع ومؤثر، ما جعله جزءًا لا يتجزأ من المدرسة وركيزة أساسية في الخطط والاستراتيجيات التربوية.
مفهوم المسرح المدرسي
تتعدد تعريفات المسرح المدرسي، إلا أنه يمكن اعتباره نوعًا من الأنشطة المدرسية، ووسيلة تعليمية تعمل على تبسيط المواد الدراسية وتحبيبها إلى التلاميذ، كما يعد وسيلة تربوية تحقق أهدافًا تعليمية بطرق مبتكرة تكسر روتين الحصص التقليدية وأساليب التلقين، وهو كذلك مساحة يتيح فيها المعلم نشاطًا تمثيليًا بمشاركة التلاميذ للتعبير عن الأفكار والمشاعر، وتحقيق أهداف تربوية متعددة من خلال الأداء المسرحي، سواء داخل الفصول أو في أماكن مخصصة داخل المدرسة، بما يسهم في تنمية مشاعرهم وأفكارهم وخبراتهم.
نشأة وتطور المسرح المدرسي
يُعد المسرح المدرسي ركيزة أصيلة في مسار الإبداع الموجه للطفل منذ القدم، إذ اضطلع بدور مهم في دعم العملية التعليمية والتربوية عبر وسائط متعددة تسهم في اكتساب المعرفة، وقد نشأ ارتباط وثيق بين مسرح الطفل والمسرح المدرسي، كما في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1904، وكذلك في إنجلترا حيث قدم الأطفال أدوارًا رئيسية في المسرحيات.
أول مسرح للأطفال
وفي ألمانيا، افتُتح أول مسرح للأطفال في مدينة لايبزغ عام 1946 بهدف إزالة آثار الحرب النفسية لدى الأطفال، بينما تشير الدراسات إلى أن البداية الحقيقية لمسرح الطفل كانت في فرنسا عام 1784، وفي إيطاليا، ارتبطت ترفيهات الأطفال بمسرح الدمى والأوبرا، في حين يعود تاريخ مسرح الأطفال في روسيا إلى عام 1918، حيث برز المسرح كوسيلة تعليمية وترفيهية في آن واحد.
وفي مصر، بدأ الاهتمام بمسرح الأطفال على يد عبد الله النديم في مدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية، ثم جاء دور زكي طليمات الذي دعا إلى إنشاء مسرح مدرسي بكل مدرسة ثانوية عبر مذكرة قدمها لوزارة المعارف، لكن في العالم العربي، فقد عرفت المنطقة أشكالًا مبكرة من مسرح الطفل مثل مسرح العرائس وخيال الظل.
وظهر أول مسرح للأطفال بشكل واضح عام 1964، وتوالى بعد ذلك الاهتمام بهذا المجال، وفي سوريا، ارتبطت بدايات مسرح الطفل بخيال الظل قبل أن يتطور في الستينيات، متأثرًا بأعمال سليمان العيسى.
وفي المغرب العربي، تأثر المسرح بزيارة الفرق المصرية منذ عام 1908، حيث تناولت العروض موضوعات وطنية وقومية، بينما شكلت المدارس الابتدائية في العراق نواة المسرح، وشهد عام 1974 إقامة أول مهرجان للمسرح الطلابي.
ويؤكد هذا المسار التاريخي أن المسرح المدرسي يمثل أصلًا فنيًا لمسرح الطفل، حيث انطلقت العروض من داخل المدارس التي كانت البيئة الأولى للتعلم، قبل أن يصبح المسرح ظاهرة اجتماعية وثقافية متكاملة، تسهم في تنمية الوعي الفكري والروحي والجمالي، ليظل بحق «أبو الفنون».