دانونتسيو يكتب بدم الميتافيزيقا.. بيسكارا كما لم يقرأها العرب من قبل
صدر حديثًا عن المركز القومي للترجمة كتاب «حكايات من بيسكارا»، في ترجمة مشتركة للدكتورة نجلاء والي والدكتور حسين محمود، وهو عمل يعيد تقديم واحدة من أبرز المحطات السردية في تجربة الكاتب الإيطالي جابرييلي دانونتسيو، الذي يُعد من الأسماء المؤسسة للحداثة الأدبية الأوروبية، وصاحب حضور متنوع بين الشعر والرواية والفكر.
ويأتي هذا الإصدار ليضع القارئ العربي أمام عالم سردي كثيف، تتداخل فيه الجغرافيا بالأسطورة، والواقع بالميتافيزيقا، في تجربة كتابية تُعد من العلامات المبكرة في تطور السرد الإيطالي الحديث.
حكايات من بيسكارا
تدور قصص «حكايات من بيسكارا» داخل مدينة واحدة هي بيسكارا بإقليم أبروتسو الإيطالي، لكن المدينة هنا لا تُقدَّم باعتبارها خلفية للأحداث، بل تتحول إلى كيان حي يشارك في صناعة السرد، ويؤثر في حركة الشخصيات وتطور مصائرها.
ويبرز دانونتسيو المكان بوصفه قوة موازية للإنسان، تتفاعل معه وتعيد تشكيله، لتصبح الجغرافيا جزءًا من البناء النفسي والدرامي للنص، لا مجرد إطار خارجي له.
العوالم النفسية
تكشف القصص عن شخصيات تتحرك داخل فضاءات نفسية معقدة، تتداخل فيها الدوافع الإنسانية مع نزعات غامضة تميل أحيانًا إلى التأمل الميتافيزيقي، وأحيانًا أخرى إلى حدود الأسطورة.
وتبدو الشخصيات في حالة صراع دائم بين العقل والحدس، وبين الواقع وما يتجاوزه، بما يمنح النصوص بعدًا فلسفيًا يتجاوز حدود الحكاية التقليدية إلى فضاء أوسع من التأمل في طبيعة الإنسان.
البناء الفني
يعتمد دانونتسيو في هذه المختارات على أسلوب سردي بالغ الدقة، يقوم على الملاحظة التفصيلية للحياة اليومية، مع قدرة واضحة على التقاط الانفعالات الداخلية للشخصيات وإعادة صياغتها في لغة أدبية مكثفة.
وتتميز الكتابة بثراء لغوي واضح، يسمح بتوسيع الزمن السردي وإبطائه أحيانًا لصالح بناء الحالة النفسية، وهو ما يخلق نوعًا من التوازن بين الحدث الخارجي والحركة الداخلية للشخصيات.
اللغة الترجمة
تأتي الترجمة العربية لتقدم النص في صياغة تحافظ على كثافته الأصلية، مع محاولة نقل البعد الجمالي والرمزي في اللغة الإيطالية إلى العربية دون فقدان الإيقاع الداخلي للنصوص.
وتبرز أهمية هذا العمل في كونه يفتح نافذة جديدة أمام القارئ العربي للتعرف على أحد الأشكال المبكرة من السرد الأوروبي الحديث، في صيغة لغوية أقرب إلى الحس الأدبي المعاصر.
ويقدم الكتاب تجربة سردية قائمة على إعادة اكتشاف المكان والإنسان في آن واحد، حيث تتحول بيسكارا إلى مرآة رمزية تعكس التوتر بين الواقع والأسطورة، وبين الحياة اليومية والأسئلة الكبرى التي لا تنتهي.