رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

عاش د.مصطفى محمود حياته الفكرية في تناقض دائم ،  حاول طوال حياته الجمع بين العقل والنقل، بين الشك الفلسفي واليقين الديني، بين نقد الخرافات والدفاع عن الموروث  ، لكن أزمته مع فكرة "الشفاعة" كشفت عن استحالة هذه المعادلة في مجتمع لم يعد يقبل "التجديد" إلا إذا كان في خدمة " الموروث ".

د. مصطفى محمود مات مرتين ، المرة الأولى حين تخلت عنه التيارات التي ظل يخدمها ويخدم افكارها ، والمرة الثانية حين تخلت عنه مؤسسات دينية ظن نفسه حارساً لبواباتها وانها ستكون اول من يدافع عنه .

ويمكن القول ان نهاية علاقة الدكتور مصطفى محمود مع التيار الاسلامي كانت في اواخر التسعينيات، بسبب كتيب صغير حمل عنوان "الشفاعة .. محاولة لفهم عصري لشفاعة النبي".

هذا الكتيب لم يكن مجرد اجتهاد فقهي فقط ، بل كان حجر الزاوية الذي اصطدم به جدار " التيار الذي صنعه د.مصطفى محمود بيديه " ، فيحسب له انه اول من أطلق العنان لموجة ما تسمى بـ " الصحوة الإسلامية " في السبعينيات والثمانينيات، فإذا بهذه الموجة ترتد إليه لتلتهمه في نهاية التسعينات ، ففي خضم تأملاته القرآنية، استوقف د. مصطفى محمود ما رآه "تناقضاً " بين روح القرآن وبين ما استقر في الوجدان الشعبي حول الشفاعة ، و رأى أن الفكرة التقليدية للشفاعة ــ وهي أن النبي ﷺ "يخرج" العصاة والمذنبين من النار بشفاعته ــ تحمل في طياتها خطراً في فكرة "التواكل" و "الواسطة".

ورأى ان الشفاعة ليست "واسطة " و اعتبر أن مفهوم "الواسطة" يهدم العدل الإلهي ، فكيف يُعاقب الله العاصي ثم يخرجه النبي بناءاً على قرابة أو محبة دون محاسبة حقيقية؟ هذا  في رأيه يناقض قوله تعالى: "وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ".

و قدم رؤية بديلة مفادها أن الشفاعة هي نوع من "إظهار الفضل" أي أن النبي يقدم شهادته لأمته بأنهم أهل للمغفرة بعد أن استوفوا شروط التوبة والجزاء وهي تتويج للعمل، وليست بديلاً عنه.

كما وجه انتقادات إلى ما وصفه بـ "المفهوم الاستهلاكي للدين"، حيث يعتقد المسلم أن بإمكانه أن يفعل ما يشاء، وآخر المطاف "النبي يشفع له " و وصف ذلك بـ "إفلاس فكري وروحي" يحول الدين إلى "شركة تأمين" ضد النار.

كان الرجل يظن أنه يقدم "خدمة للدين" بتطهيره من الخرافات والدخائل الوافدة، لكنه لم يكن يتخيل أن "الانقلاب" سيأتي من حيث لا يحتسب.

فبمجرد أن بدأ بنشر مقالاته التمهيدية في جريدة "الأهرام " حتى تحولت الساحة الثقافية والدينية إلى ساحة معركة ، والمفارقة أن أعنف الهجمات لم تأتي من خصومه التقليديين من العلمانيين أو اليساريين، بل من "أبنائه الروحيين" من التيار السلفي والوهابي الذي ظل لسنوات يُعتبره "أبوهم الروحي" و"لسانهم الإعلامي" في مواجهة المد الشيوعي والعلماني.

كما خرج علماء الأزهر بتصريحات نارية وصفوا فيها الكتاب بأنه "تطاول على السنة النبوية الثابتة " و صدرت بيانات رسمية تلمح إلى ضرورة محاسبة الرجل، وتم سحب الكتيب من الأسواق بعد أيام قليلة من صدوره.

لكن المعركة الحقيقية كانت مع التيار السلفي الذي كان في ذروة صعوده آنذاك ، فصدرت كتيبات وردود عنيفة تحمل عناوين تهكمية وساخرة منه، أبرزها كتاب يحمل عنوان "أكلما اشتهيت اشتريت يا دكتور مصطفى؟" 

هذا التيار الذي كان يعتبر د.مصطفى محمود "ناصر السنة" في مواجهة الإلحاد، أصبح يتهمه بأنه "منكر للسنة" و "جاهل بأصول العقيدة " و اتهموه بالقول بخلق القرآن، واتهموه بالمعتزلة، واتهموه بأنه يريد "هدم الدين من الداخل".

المفارقة القاتلة هي أن د.مصطفى محمود هو من ساهم، عبر برنامجه "العلم والإيمان" ومقالاته  وحواراته ، في تهيئة المناخ لصعود هذه التيارات الاسلامية فصنع جمهوراً سلفيا لا يقبل التفكير أو التأويل، فكان اول من هاجمه .

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء