أطماع الاحتلال في لبنان.. بين التوغل العسكري والسيطرة على "الليطاني"|تقرير
لم تظهر العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان بشكل مفاجئ، بل جاءت نتيجة مسار طويل من التوترات التي بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي، ومع تصاعد الاشتباكات على الحدود خاصة في ظل وجود فصائل فلسطينية في جنوب لبنان كانت تنفذ عمليات ضد اسرائيل، تزايدت حدة المواجهة تدريجيًا.
وفي عام 1982، بلغ هذا التصعيد ذروته عندما شن الجيش الإسرائيلي غزوًا واسعًا للبنان، حيث تقدم داخل الأراضي اللبنانية حتى وصل إلى العاصمة «بيروت»، وكان الهدف من هذا التحرك تغيير موازين القوى داخل البلاد، والعمل على إنهاء نفوذ منظمة التحرير الفلسطينية.

تثبيت الوجود العسكري في الجنوب
بعد انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلية من بيروت وعدد من المناطق الأخرى، لم تنسحب بشكل كامل من لبنان، بل ابقت على وجود عسكري مستمر في جنوب البلاد، وهناك انشأت ما عرف بالمنطقة الأمنية أو الشريط الحدودي.
إذ امتد هذا الشريط داخل الأراضي اللبنانية لمسافة تتراوح بين 5 و20 كيلومترًا، حيث شمل نحو 10% من مساحة البلاد، كما ضم عددًا كبيرًا من القرى وسكانها، ولم يكن الوجود الإسرائيلي مباشرًا فقط، بل اعتمد أيضًا على قوة محلية حليفة عرفت باسم جيش لبنان الجنوبي، الذي تولى إدارة جزء من هذه المنطقة تحت إشراف الاحتلال، واستمر هذا الوضع لسنوات طويلة امتدت من 1982 وحتى عام 2000.
طبيعة الحياة في لبنان تحت الاحتلال الإسرائيلي
خلال فترة السيطرة على جنوب لبنان، عاش السكان في ظروف صعبة نتيجة الواقع العسكري القائم، فقد شهدت المنطقة مواجهات متواصلة بين قوات الاحتلال الإسرائيلية والمقاومة في لبنان، إلى جانب قصف متكرر طال القرى الحدودية وتسبب في دمار واسع.
كما اضطر العديد من سكان عدة مناطق في لبنان إلى مغادرة منازلهم بسبب الاشتباكات، في حين فرضت إجراءات أمنية مشددة شملت الحواجز العسكرية وحملات الاعتقال، حيث شهدت تلك المرحلة أيضًا عمليات عسكرية كبيرة، من بينها عملية تصفية الحساب عام 1993، وعملية عناقيد الغضب عام 1996، التي خلفت خسائر بشرية كبيرة بين المدنيين.

أهداف التوغل في لبنان من وجهة نظر الاحتلال الإسرائيلية
أعلن الكيان الإسرائيلي، أن تدخله في لبنان يستند إلى مجموعة من الأهداف، كان في مقدمتها منع الهجمات التي تنطلق عبر الحدود، وأبعاد الفصائل المسلحة عن مناطقها الشمالية، كما سعت إلى إقامة منطقة عازلة داخل الجنوب اللبناني تشكل حاجزًا أمنيًا، يوفر حماية للمستوطنات القريبة من الحدود، ويمنحها عمقًا استراتيجيًا إضافيًا.
إلى جانب ذلك، عمل الكيان الإسرائيلي المحتل على التأثير في الداخل اللبناني من خلال دعم أطراف محلية، ومحاولة توجيه مسار الأحداث السياسية بما يخدم مصالحها، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل استهدف الوجود العسكري أيضًا إضعاف قوى المقاومة ومنعها من تطوير قدراتها.
تصاعد المقاومة في لبنان.. ونهاية الاحتلال الإسرائيلي
مع مرور السنوات، بدأت وتيرة العمليات ضد قوات الاحتلال الإسرائيلية تتصاعد خاصة من قبل «حزب الله» الذي ظهر مرة أخرى وبقوة بجانب إيران خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية الذي اندلعت صباح يوم السبت الموافق 28 فبراير 2026، مما أدى إلى استنزاف مستمر للقوات داخل الشريط الحدودي.
ومع تزايد الخسائر البشرية والضغط العسكري، وجد الكيان الإسرائيلي المحتل نفسه مضطر؛ لاتخاذ قرار الانسحاب، الذي تم بالفعل في مايو عام 2000، منهية بذلك نحو 22 عامًا من الوجود العسكري في جنوب لبنان.

الجدل حول النوايا الحقيقية
لا يزال الجدل قائمًا، حول ما إذا كان الوجود الإسرائيلي في الجنوب يهدف فقط إلى تحقيق الأمن، أم أنه كان يحمل أبعادًا أخرى، ففي حين تؤكد الروايات الإسرائيلية الرسمية، أن الوجود كان مؤقتًا ومرتبطًا باعتبارات أمنية، إلا أن الكثير من المحللين يروا أن طول مدة البقاء، وإقامة منطقة أمنية واسعة، ودعم كيان محلي تابع كلها عوامل تشير إلى محاولة فرض واقع دائم، وربما تمهيد لنفوذ طويل الأمد أو شكل غير مباشر من السيطرة على الأرض.
ما بعد عام 2000
رغم انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلية من جنوب لبنان، لم تتوقف حالة التوتر فقد استمرت الاشتباكات على فترات متقطعة، واندلعت حرب واسعة في عام 2006، كما بقيت الحدود تشهد توترات حتى الوقت الراهن، وهذا يعكس أن الصراع لم ينته بخروج القوات، بل استمر بأشكال مختلفة، مما أبقى الجنوب اللبناني منطقة حساسة ومفتوحة على احتمالات التصعيد.
وفي الأخير يمكن القول، أن توغل قوات الاحتلال الإسرائيلية في لبنان لم يكن مجرد عملية عسكرية عابرة، بل مسار طويل امتد لسنوات؛ إذ بدأ بغزو شامل ثم تحول إلى وجود عسكري مستمر في الجنوب، وبينما قدمت إسرائيل تفسيرات أمنية لتحركاتها، إلا أن العديد من المتابعين يروا أن ما جرى كان يحمل أبعادًا أوسع، تتعلق بمحاولة التأثير في الواقع الجغرافي والسياسي للبنان، خاصًة في المناطق الحدودية.