300 دولار وهجرة العقول.. المسكوت عنه وراء بريق تصنيف الجامعات|خاص
فجر الأستاذ الدكتور عادل النجدي، عميد كلية التربية الأسبق، مفاجآت مدوية في تصريحات خاصه لـ"إيجبتك"، حيث انتقد "النجدي" بشدة الاحتفاء الشكلي بإدراج الجامعات المصرية في التصنيفات الدولية، واصفاً إياه بـ "حمى التفوق الشكلي" التي غطت على الأزمات الهيكلية الطاحنة التي تضرب منظومة التعليم الجامعي في مقتل.
وهم الأرقام.. بريق التصنيفات يغطي على واقع الرواتب الهزيل
واستهل الدكتور عادل النجدي حديثه لـ "إيجبتك" بالتعليق على إعلان وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الأخير بشأن إدراج 21 جامعة مصرية في تصنيف "QS World University Rankings" لعام 2026، ضمن نحو 1900 جامعة عالمية من أكثر من 100 دولة، وإدراج 42 تخصصاً أكاديمياً بالجامعات المصرية ضمن 55 تخصصاً تضمنها التصنيف.

وقال النجدي : "رغم أهمية وجود الجامعات المصرية في التصنيفات الدولية، فإنه لا ينبغي أن يكون هذا هو الهدف الأسمى للوزارة أو للجامعات على الإطلاق. يجب أن ينصبّ الاهتمام كله على دراسة انعكاس هذا الوجود على جودة التعليم الحقيقية داخل قاعات المحاضرات والمعامل. إلا أن الواقع، للأسف الشديد، يكشف عن إصابة كثيرين بحمى التفوق الشكلي والسعي المحموم نحو مراكز متقدمة في التصنيفات، دون الالتفات إلى التحديات الحقيقية التي تواجه مؤسساتنا التعليمية وأعمدة العملية التعليمية".
وفجر العميد الأسبق أولى مفاجآته بالحديث عن الوضع المادي لأساتذة الجامعات، مؤكداً لـ "إيجبتك" أنه لم يلتفت أحد إلى التدني الواضح والمخجل في رواتب أساتذة تلك الجامعات، والتي لا تتجاوز في كثير من الأحيان حاجز الـ 300 دولار شهرياً! وهو الأمر الذي دفع العديد من الكفاءات العلمية النادرة والأساتذة الكبار إلى الهجرة قسرياً بحثاً عن فرص حياة وعمل أفضل في الجامعات العربية والجامعات الخاصة.
أسباب عدم عودة مئات المبعوثين من الخارج إلى وطنهم
وتساءل النجدي باستنكار: "أين الدراسات الجادة حول أسباب عدم عودة مئات المبعوثين من الخارج إلى وطنهم؟ الدولة تنفق ملايين الجنيهات على تعليمهم في أرقى جامعات العالم، وبدلاً من أن يعودوا ليفيدوا بلدهم، يضطرون للبقاء هناك، مما يضطر الجامعات في النهاية إلى إنهاء خدمتهم، وهذه خسارة قومية فادحة للبحث العلمي المصري لم يتطرق إليها أحد وسط صخب الاحتفالات بالتصنيفات".
هروب الطلاب وجمود اللوائح التي عفا عليها الزمن
وانتقل الدكتور عادل النجدي في تصريحاته لـ "إيجبتك" إلى نقطة بالغة الحساسية تخص مستقبل الجامعات الحكومية المصرية، مؤكداً أنه لم يُلتفت إلى التحديات المستقبلية الضخمة التي تلوح في الأفق، خاصة في ظل التوسع الكبير والشرس في إنشاء الجامعات الخاصة والأهلية والدولية بمصر، والتراجع النسبي الملحوظ في أعداد طلاب مرحلة البكالوريوس بالجامعات الحكومية.
وأوضح قائلاً :"أصبح المشهد كالتالي: من يملك القدرة المالية، ومن يسعى من الأسر إلى تعليم حقيقي أفضل لأبنائه، يتجه فوراً وبلا تردد إلى الجامعات الخاصة والدولية هرباً من تكدس وجمود الجامعات الحكومية".
وألقى النجدي باللوم على جمود البرامج الدراسية في الجامعات الحكومية، مؤكداً أنه لم تُبذل جهود كافية لتطويرها وتحديثها بما يواكب متطلبات العصر الرقمي الحديث، فظلت لوائح وبرامج عديدة جامدة وعفا عليها الزمن، وهو ما دفع القيادة السياسية في مصر مراراً وتكراراً إلى دق ناقوس الخطر، والتأكيد على ضرورة ربط التعليم الجامعي بمتطلبات سوق العمل الفعلية بدلاً من تخريج عاطلين يحملون شهادات كرتونية.
نتباهى بالترتيب ونستورد الغذاء والدواء والتكنولوجيا!
وفي نقد لاذع للأثر المجتمعي والاقتصادي لتلك الأبحاث والتصنيفات، تساءل الدكتور النجدي في تصريحاته لـ "إيجبتك" عن الفائدة العملية للوطن من هذه الأرقام، مكملاً حديثه بعبارات صريحة:"رغم ما يُعلن ليل نهار عن تميز الجامعات المصرية في التصنيفات العالمية، فإن هذا التميز لم ينعكس بصورة عملية على أرض الواقع إطلاقاً؛ فلم نشهد زيادة ملحوظة في أعداد الطلاب الوافدين تضخ عملة صعبة في شرايين الاقتصاد، ولم تُسهم الأبحاث العلمية في تقديم حلول جذرية لمشكلات المجتمع المتراكمة، سواء في مجالات الصحة أو الزراعة أو الصناعة أو الاقتصاد".
وأضاف بحسرة:"كيف نتباهى بمراتب متقدمة في بعض التصنيفات الدولية ونحن لا نزال نستورد جانباً كبيراً من غذائنا، ودوائنا، وتكنولوجيا إنتاجنا ومصانعنا؟! أين عقول تلك الجامعات المصنفة دولياً من حل هذه الأزمات الإستراتيجية؟".
هوس النشر والفضائح العلمية.. لماذا انسحبت جامعة "زيورخ"
وفي لفتة تحليلية عميقة، أشار الدكتور عادل النجدي لـ "إيجبتك" إلى أن بعض الجامعات العالمية المرموقة، مثل جامعة زيورخ (University of Zurich)، قد اتخذت قراراً شجاعاً بالانسحاب الكامل من التصنيفات الدولية، وبررت ذلك رسمياً بأن السعي المحموم والأعمى وراء الترتيب والأرقام قد يعيق الدور الحقيقي والرسالة السامية للجامعة في تقديم تعليم جيد وبحث علمي رصين بعيداً عن ضغوط لجان التصنيف الدولية والمؤشرات التجارية.
وحذر النجدي من خطورة "هوس النشر الدولي" من أجل تحسين التصنيف، مؤكداً أنه أوقع بعض الجامعات في أزمات وفضائح تتعلق بسحب أبحاث علمية منشورة باسمها بعد اكتشاف عدم نزاهتها الأكاديمية، وهو ما أشار إليه بوضوح تقرير نُشر في مجلة "Nature" المرموقة في فبراير 2025، حول تزايد حالات سحب الأبحاث الأكاديمية عالمياً نتيجة الضغط الوهمي للنشر.
لن نلهث خلف التصنيفات بل ستأتينا طوعاً
واختتم الأستاذ الدكتور عادل النجدي تصريحاته لـ "إيجبتك" بوضع روشتة واضحة ومحددة لإصلاح منظومة التعليم العالي، مطالباً بوقفة جادة مع النفس لإعادة ترتيب الأولويات، والانتقال الفوري من "وهم الأرقام والتصنيفات" إلى جوهر العملية التعليمية الحقيقية.
وقال في ختام حديثه:"التعليم الذي لا ينعكس أثره على نمو الاقتصاد، ولا يُسهم في حل مشكلات المجتمع المعقدة، ولا يُخرّج كوادر قادرة على المنافسة في سوق العمل العالمي، هو تعليم يحتاج إلى مراجعة شاملة وثورة في المفاهيم، لا إلى احتفاء شكلي بالترتيب والدرجات. إن الطريق إلى تصنيفات متقدمة لا يبدأ من ملاحقة المؤشرات والمكاتب الدولية، بل يبدأ من الداخل؛ من بناء منظومة تعليمية حقيقية قائمة على الجودة، والابتكار، وربط المعرفة الأكاديمية بالإنتاج الصناعي والزراعي. حينها فقط، ستأتي التصنيفات إلينا طوعاً اعترافاً بتميزنا، لا أن نلهث نحن خلفها في مطاردة وهمية للأرقام".

