بعد قرارات الترشيد..هل تنجح الحكومة في توفير الغاز أم تكتفي بإدارة الأزمة؟
في ظل الأزمة العالمية للطاقة الناتجة عن التوترات الجيوسياسية بين إيران وأمريكا وإسرائيل، التي ألقت بظلالها على أسواق الطاقة محليًا، تواجه الحكومة ضغوطًا متزايدة على قطاع الكهرباء، الذي يعتمد بشكل رئيسي على الغاز الطبيعي لتوليد الطاقة، ومع ارتفاع أسعار النفط عالميًا واضطراب منابع الطاقة، لجأت الحكومة إلى اتخاذ إجراءات ترشيد استهلاك الكهرباء للتخفيف من تأثير الأزمة على الإمدادات.
ترشيد استهلاك الكهرباء
قبل أيام أعلنت الحكومة عن مجموعة من الإجراءات الاحترازية، شملت غلق المحال التجارية مبكرًا، وتقليل إنارة الشوارع والإعلانات المضيئة، وضبط استخدام التكييفات في المباني العامة، بالإضافة إلى مراقبة استهلاك المنشآت الخدمية، إلا أن التساؤل الأهم لازال يدور حول ما إذا كان يمكن لهذه الخطة تقليل استهلاك الغاز بشكل ملموس، أم أنها مجرد حلول مؤقتة لتخفيف حدة الأزمة؟
حجم استهلاك الكهرباء
بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يبلغ متوسط استهلاك الكهرباء في مصر خلال أشهر الشتاء نحو 15 إلى 16 مليار كيلووات/ساعة شهريًا، بينما يرتفع في الصيف إلى ما بين 18 و22 مليار كيلووات/ساعة مع زيادة الأحمال المرتبطة بالتبريد.
ويقترب إجمالي الاستهلاك السنوي للكهرباء من 210 إلى 220 مليار كيلووات/ساعة، مع تجاوز أقصى حمل كهربائي سنوي مستوى 34 جيجاوات، ويستحوذ القطاع المنزلي على النصيب الأكبر من الاستهلاك (42.7%)، يليه الصناعي (28.9%)، والحكومي (10.4%)، ثم التجاري (6.8%) والزراعي (3.2%) والإنارة العامة (1.3%).
المستهلك الأكبر للغاز
فمن ناحيته، قال جمال القليوبي، أستاذ هندسة البترول والطاقة، إن قطاع الكهرباء يمثل المحرك الرئيسي لاستهلاك الغاز في مصر، إذ يستهلك نحو 3.3 مليار قدم مكعب يوميًا من إجمالي إنتاج يقدر بنحو 6.3 مليار قدم مكعب، أي أكثر من نصف الاستهلاك المحلي.
ويشير إلى أن ذروة الاستهلاك الصيفية تصل إلى ما بين 36 و37 ألف ميجاوات يوميًا، مقابل قدرات إنتاجية تصل إلى 35 ألف ميجاوات، ما يضع الشبكة تحت ضغط شديد خلال ساعات الذروة بين الثامنة مساءً والواحدة صباحًا.
خطة ترشيد الكهرباء
وتركز خطة الحكومة على تقليل استهلاك الكهرباء خلال ساعات الذروة من خلال غلق المحال التجارية في وقت مبكر، وخفض إنارة الشوارع والإعلانات، بالإضافة إلي ترشيد استخدام التكييفات في المباني الحكومية، والعمل علي ضبط استهلاك الكهرباء في المنشآت الخدمية، وتسعى هذه الإجراءات لتخفيف الأحمال على الشبكة وخفض استهلاك الغاز المستخدم في توليد الكهرباء.
بحسب تقديرات القليوبي، يمكن لإجراءات الترشيد أن توفر ما بين 3500 و4200 ميجاوات خلال ساعات الذروة، بما يترجم إلى توفير بين 150 و220 مليون قدم مكعب غاز يوميًا، لكن مقارنة هذه الأرقام بإجمالي استهلاك قطاع الكهرباء من الغاز، توضح أن حجم التوفير لا يتجاوز 4% إلى 5% فقط من الاستهلاك اليومي، وهو رقم محدود لكنه قد يكون مهمًا في ظل الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، لتجنب تخفيف الأحمال.
توفير محدود وتأثير هامشي
أما حافظ السلماوي، خبير الطاقة والرئيس الأسبق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء، فيري أن التقديرات المتفائلة قد لا تعكس الواقع، لافتًا إلى أن القطاع التجاري، المستهدف بإجراءات مثل غلق المحال، يمثل نحو 13% من إجمالي الاستهلاك، لكن نصيب المحال التجارية الفعلي لا يتجاوز 8% إلى 10%.
ويضيف أن تقليل ساعات التشغيل ساعتين إلى ثلاث يوميًا قد يحقق وفرًا بين 1% و2%، لكنه يتراجع إلى نحو 1% عند احتساب زيادة الاستهلاك في المنازل نتيجة عودة المواطنين مبكرًا.
أين تذهب وفورات الترشيد؟
في سياق متصل، توضح التقديرات أن الترشيد لا يعني دائمًا توفيرًا صافٍ، فقد ينتقل الاستهلاك من قطاع لآخر، فغلق المحال مبكرًا يزيد استخدام الكهرباء في المنازل، سواء للإنارة أو التكييف أو الترفيه، بينما يشكل خفض إنارة الشوارع تأثيرًا محدودًا لا يتجاوز نحو 3% بعد اعتماد مصابيح LED.
ويرى السلماوي أن الإجراءات الحالية ليست ترشيدًا بالمعنى الحقيقي، بل “تقنين” للاستهلاك يعتمد على قرارات إدارية، دون تغيير سلوك المستهلك أو تحسين كفاءة الاستخدام، ويحذر من أن هذا النهج قد يكون فعالًا قصير المدى، لكنه لا يعالج فجوة إمدادات الغاز وارتفاع تكلفته، حيث تتجاوز أزمة الكهرباء الاستهلاك لتصل إلى إمدادات الغاز، خاصة أن الإنتاج المحلي يغطي نحو 75% إلى 77% من الاحتياجات، فيما يتم استيراد الباقي، ما يزيد حساسية السوق للتقلبات العالمية في الأسعار والإمدادات.
تكلفة متصاعدة وضغوط على الموازنة
يشار إلي تكلفة إنتاج الكهرباء ارتفعت إلى نحو 4.5 جنيه لكل كيلووات/ساعة مقابل 3.6 جنيه سابقًا، في حين لا تزال أسعار البيع للمستهلك أقل من التكلفة الفعلية، ما يزيد دعم الكهرباء ويثقل كاهل الموازنة العامة، مع نمو الاستهلاك بمعدل سنوي 7%.
وحول البدائل الممكنة، يطرح خبراء الطاقة عدة حلول لتعظيم وفورات الغاز علي رأسها إعادة تسعير الكهرباء لتعكس التكلفة الحقيقية، وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة في المباني
التوسع في الطاقة المتجددة، إلي جانب العمل علي بناء مخزون استراتيجي من الغاز، وتقليل استهلاك الصناعات كثيفة الطاقة خلال ساعات الذروة.
واتفق الخبيران على أن الترشيد خطوة ضرورية لكنها غير كافية، إذ يوفر جزءًا محدودًا من الغاز دون معالجة الأسباب الهيكلية للأزمة، إذ يبقى التحدي الأكبر هو وضع سياسات أكثر استدامة لإعادة التوازن بين الإنتاج والاستهلاك وضمان استقرار إمدادات الطاقة مستقبلًا.