ابدأ بتعريف متلازمة استوكهولم .- Stockholm Syndrome)، بانها ظاهرة نفسية تُعرف بأنها استجابة عاطفية غير متوقعة تحدث لدى بعض الأشخاص الذين يتعرضون للاحتجاز أو الخطف أو الإساءة المطولة، حيث يبدأ الضحية (الرهينة أو المُعتدى عليه) في تطوير مشاعر إيجابية، تعاطف، ولاء، أو حتى ارتباط عاطفي تجاه الشخص الذي يُسيء إليه أو يُهدد حياته.
غالباً ما يُطلق عليها في اللغة العامية “عقدة استوكهولم” لأنها تُشبه نوعاً من “العُقدة النفسية” أو الارتباط المرضي غير المنطقي.
في هذا المقال أنا أتكلم عن ظاهرة جمعية مشابهة لمتلازمة استوكهولم تظهر في المجتمعات التي تعاني من السيطرة او الارهاب من السلطة.
الحقيقة أنه ليست السلطة وحدها ما يصنع الاستبداد،بل الوعي الذي يقبله.
إن التحليل التقليدي في علم الاجتماع السياسي ينشغل بمصادر الشرعية، وبنية المؤسسات، وأدوات القمع، غير أنه يغفل سؤالاً أكثر إرباكاً:
كيف يتحول القهر من قوة مفروضة إلى نظام مقبول؟
وكيف يُعاد إنتاجه من داخل المجتمع نفسه بعد أن يُرفض من خارجه؟
هنا فكرت في مقاربة تحليلية تقوم على مفهومين متكاملين:
#عقدة استوكهولم الجمعية و
#الانشطار السلوكي للنخبة…..
ولكي اتبع نفس منهجيتي فلابد من تعريف الانشطار السلوكي الذي كتبت عنه مقالا مطولاً يمكن الرجوع اليه في هذا اللينك.
إنهما ليسا توصيفين نفسيين عابرين، بل بنيتان تفسيريتان لفهم إعادة إنتاج الهيمنة داخل المجتمعات التي عرفت القهر التاريخي.
أولاً: عقدة استوكهولم الجمعية:
استُلهم المصطلح من عقدة استوكهولم ، لكني أنقلها هنا من مستوى العلاقة الفردية إلى مستوى الوعي الجمعي.
حين تتعرض جماعة لهيمنة ممتدة — استعماراً أو هزيمة أو تبعية — فإن القهر لا يترك أثره في البنية المادية فحسب، بل يعيد تشكيل صورة الذات.
تبدأ الجماعة في رؤية نفسها بعين القاهر، وتعيد تعريف القيمة وفق معاييره.
أظهرت التجارب كيف يمكن للهيمنة أن تتحول إلى تفضيل داخلي. كما فسّرت نظرية تبرير النظام "جون جوست" ميل المقهورين إلى تبرير النظام الذي يضرهم.
إنها لحظة يتحول فيها الخوف إلى اقتناع، والتكيّف إلى هوية.
بهذا المعنى، فإن "عقدة استوكهولم الجمعية" ليست حباً للقاهر، بل خوفاً من الحرية.
وقد بيّن الباحثين أن الحرية، بما تحمله من مسؤولية وقلق، قد تدفع الإنسان إلى الاحتماء بالسلطة الصارمة.
المجتمع الذي تزعزعت ثقته بذاته يفضّل يقيناً مغلقاً على حرية مفتوحة.
ثانياً: من الهيمنة الخارجية إلى الوصاية الداخلية
لا تنتهي الهيمنة برحيل المستعمر ، فالبنية النفسية التي تشكلت في ظل القهر تبحث عن وصيّ بديل،
هكذا يتحول الخارج إلى داخل.
ويُعاد إنتاج المعادلة ذاتها باسم الأمن أو باسم السماء،
وتُعاد صياغة الطاعة كفضيلة، وتُعرَّف الحرية باعتبارها فوضى، ويُقدَّم الانضباط القسري بوصفه خلاصاً.
في هذه المرحلة، لا يُفرض القيد بقوة السلاح فقط، بل بقوة السردية.
ثالثاً: الانشطار السلوكي للنخبة — آلية إعادة الإنتاج
إذا كانت "عقدة استوكهولم الجمعية" تفسر استعداد المجتمع لقبول القهر، فإن "الانشطار السلوكي للنخبة" يفسر آلية استدامته.
الانشطار السلوكي هو انفصال بين الوعي النظري والسلوك العملي داخل النخبة.
يظل المبدأ حاضراً في الخطاب، بينما يُعلّق في الممارسة.
لا يُلغى الدستور، بل يُؤجل.
لا تُرفض الحرية، بل تُقيد “مؤقتاً”.
ولا يُعلن الاستبداد، بل يُمارس باسم الضرورة.
ولقد حللت الفيلسوفة والمفكرة السياسية الألمانية "هانا أرندت" والتي تُعد من أهم العقول التي حلّلت طبيعة السلطة، الشمولية والشر في القرن العشرين ، كيف يمكن للشر أن يصبح إعتياداً بيروقراطياً.
وقدم ابن خلدون في مقدمته ، قراءة لدورات السلطة حيث تتحول العصبية من طاقة تأسيس إلى أداة احتكار.
الانشطار ليس نفاقاً، بل تكيف مع بنية سلطوية تستند إلى مجتمع يخاف الحرية.
رابعاً: دورة استبطان القهر
يمكن تلخيص البنية الديناميكية للمقاربة في مسار واحد:
صدمة تاريخية تؤدي الي اهتزاز الثقة بالذات ثم استبطان الدونية والخوف من الحرية ثم طلب وصاية بوجود نخبة منقسمة تبرر الضرورة ويتم إعادة إنتاج القهر.
في هذه الدورة، يتحول الاستبداد من حادث سياسي إلى بنية وعي.
خامساً: البعد الوجودي
الإعجاب بالقوة ليس دوماً انتهازية، بل تعويض عن عجز دفين.
القوة الصارمة تمنح شعوراً بالتماسك في عالم مضطرب.
واليقين المغلق يمنح راحة في عالم مليء بالأسئلة.
لكن الفلسفة، منذ سقراط، قامت على القلق الخلّاق لا الطمأنينة القسرية.
السؤال إذن ليس: من يحكم؟
بل: لماذا نفضّل أن يُرفع عنا عبء الحرية؟
ليست "عقدة استوكهولم الجمعية" وصفاً نفسياً،
ولا "الانشطار السلوكي للنخبة" حكماً أخلاقياً.إنهما إطار لفهم لحظة تاريخية تتكرر حين يستعمر الخوف الوعي،وحين ينفصل الضمير عن الفعل.
التحرر لا يبدأ بإسقاط سلطة، بل بإعادة بناء علاقة المجتمع بالحرية، وعلاقة النخبة بالمسؤولية.
فالاستعمار — أياً كان مصدره — يعيش في الفراغ الذي يخلّفه وعيٌ يخاف أن يكون حراً.
وحين يستعيد الوعي شجاعته، تفقد الهيمنة شرط استمرارها.
وأنا أكتب عن "عقدة استوكهولم الجمعية" و"الانشطار السلوكي للنخبة"، لا أكتب عن آخرين بعيدين عنا، ولا عن تاريخٍ منقضٍ يمكن النظر إليه ببرود أكاديمي.
أكتب عنّا.
عن ذلك الصوت الخافت داخلنا الذي يعرف الحقيقة، لكنه يخشى تبعاتها.
عن تلك اللحظة التي نُقنع فيها أنفسنا أن التنازل المؤقت ضرورة، وأن الصمت حكمة، وأن الشدة رحمة.
الخوف ليس عيباً.
كل أمة خافت في لحظة من تاريخها.لكن الخطر يبدأ حين يتحول الخوف إلى مبدأ، وحين يُعاد تعريف الطاعة باعتبارها فضيلة أخلاقية.
تعلمت من تأمل التاريخ أن الاستبداد لا ينتصر بقوته وحدها، بل بانسحاب الوعي خطوةً صغيرة إلى الخلف.
ثم خطوة أخرى.
حتى يجد نفسه بعيداً عن موقعه الطبيعي.
نحن لسنا ضحايا بالكامل، ولا جلادين بالكامل.
نحن بشرٌ بين قلق الحرية وطمأنينة القيد.
والحرية ليست شعاراً سياسياً، بل موقفاً وجودياً.
هي قبول القلق، واحتمال المسؤولية، والاعتراف بأن لا أحد يملك اليقين الكامل نيابةً عنا.
الوطن لا يحتاج إلى أوصياء بقدر ما يحتاج إلى مواطنين ناضجين.
والدين لا يحتاج إلى وسطاء يحتكرون السماء، بل إلى قلوب تعرف أن علاقتها بالخالق لا تمر عبر خوفٍ بشري.
والدولة لا تستقر بالقهر، بل بثقة متبادلة بين من يحكم ومن يُحكم.
حين يخاف المجتمع من حريته، يبحث عن من يريحه منها.
وحين تخاف النخبة على مواقعها، تنقسم على ذاتها.
لكن حين يتصالح الإنسان مع مسؤوليته، تسقط الحاجة إلى الوصاية.
قد لا يكون الطريق سهلاً.فالحرية لا تمنح الطمأنينة السريعة، بل تمنح الكرامة العميقة.
والكرامة تحتاج إلى شجاعة.
ربما لا نستطيع أن نغيّر التاريخ دفعةً واحدة،
لكن يمكننا أن نبدأ من موضع واحد بسيط:
أن نرفض أن نُسلّم وعينا خوفاً،وأن نعيد توحيد ما انقسم في داخلنا.
هناك يبدأ التحرر الحقيقي.
لا في الشوارع فقط، ولا في القصور فقط، بل في الضمير.
وحين يستعيد الضمير صوته، تتغير المعادلة كلها.