"الحزام الأمني" الجديد بجنوب لبنان.. هل سيحقق لإسرائيل الهدوء في الشمال؟
بينما تتوجه الأنظار نحو إيران، تتبلور في الجبهات الأخرى متاهة متعددة الأبعاد وبالغة الخطورة، تصريحات رئيس الأركان الإسرائيلي بأن إلقاء مهام أمنية إضافية في الضفة الغربية على عاتق الجيش قد تؤدي إلى "انهياره من الداخل" أحدثت ضجة واسعة، لكن رئيس الأركان نفسه، ومعه المستوى السياسي، يسيرون بأعين مفتوحة نحو واقع في لبنان قد يسرّع هذا الانهيار، دون أن يمنح سكان الشمال الأمان الذي يستحقونه.
وعود بـ "هدوء لأربعين عاماً"
وعلق عوفر شيلا رئيس برنامج سياسة الأمن القومي في معهد دراسات الأمن القومي على تصريحات وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الذي وصفه بأنه ينافس الرئيس ترامب في وتيرة إعلانات "أصدرتُ تعليماتي"، عن خطة إنشاء "حزام أمني" بعمق 8 كيلومترات على الأقل على طول جنوب لبنان، يكون خالياً من السكان الشيعة ومأهولاً بقوات الجيش الإسرائيلي في 18 موقعاً عسكرياً على الأقل.
وأكد شيلا في تحليله بصحيفة “يديعوت أحرونوت”، أن الوزير وقادة الجيش يزعمون أن هذا الحزام سيبعد تهديد المداهمات والنيران المباشرة لحزب الله. وللآذان الخبيرة، يبدو هذا صدى لوعود مناحيم بيغن عام 1982 بأن "تنعم الأرض بالهدوء لأربعين عاماً".
خرافة الحزام الأمني القديم

وأوضح رئيس برنامج سياسة الأمن القومي في معهد دراسات الأمن القومي، أنه لفهم ما يخطط له الآن، يجب تذكر حقيقة "الحزام الأمني" الأصلي (1985-2000)، ومع مرور الزمن، ترسخت صورة مغلوطة بأن ذلك الحزام كان يحمي الشمال، وأن الانسحاب منه تم فقط بسبب ضعف المجتمع الإسرائيلي.
وبين أن الحقيقة هي أن الحزام لم يمنع الكاتيوشا، ولم يحتفظ به الجيش الإسرائيلي فعلياً، بل اعتمد على "جيش لبنان الجنوبي" (لحد)، كان الحزام مجرد ساحة استنزاف دموية لا طائل منها، وهو ما أدركه قادة كبار آنذاك.
التحدي الجديد: استنزاف للجيش وهدف سهل للمقاومة
وأردف شيلا، أن الخطة الحالية مختلفة؛ فهي تقوم على تواجد عسكري إسرائيلي كامل ومكثف على طول 120 كيلومتراً. هذا الوجود لن يمنع الصواريخ، لكنه سيخلق آلاف الأهداف السهلة لقوات "غوار" محلية ستنشأ حتماً لمقاومة الاحتلال، ولم يغفل أن حزب الله نفسه بنى شرعيته على مقاومة الاحتلال لمدة 18 عاماً، والآن نحن نمنحه أو لخلفائه نفس التربة الخصبة للنمو.
أزمة القوى البشرية: الجيش على حافة الهاوية
تحت شعار "الدفاع من الأمام"، يجد الجيش الإسرائيلي نفسه مطالباً بنشر قوات هائلة في غزة، سوريا، الضفة الغربية، والآن "أوغدة" جديدة على الحدود الأردنية، بالإضافة إلى الحزام الأمني في لبنان، هذه الحسابات ستؤدي إلى انهيار الجيش؛ فلا تجنيد المتدينين (الحريديم) سيسعف، ولا احتياطي الجيش الذي يرزح تحت العبء منذ عامين ونصف سيتمل الاستمرار في خدمة مئات الأيام سنوياً كوضع دائم.
المأزق السياسي والشرعية الدولية
سياسياً، يضمن "الحزام الأمني" عدم الوصول إلى أي تسوية مع لبنان، لأنه لا يمكن لأي حكومة لبنانية قبول احتلال جنوب بلادها، كما أن التبرير الدولي لتجريد حزب الله من سلاحه سيتلاشى، وعلى عكس غزة، يتمتع لبنان بدعم دولي، والتدمير الشامل هناك قد يُصنف كجرائم حرب.
ما البديل؟
يحدث كل هذا بسبب حكومة متعطشة للحرب، وقيادة عسكرية لا تزال تحت صدمة 7 أكتوبر، وجمهور منهك يتم إقناعه بأن القوة هي الحل الوحيد، رغم أن القوة العسكرية لا تحقق إنجازاً مستداماً دون حراك سياسي يثبتها.
واقترح شيلا وجود دفاع قوي ومكثف على خط الحدود مباشرة، وحرية عمل عسكري وراء الحدود عند الضرورة، لكن دون بقاء دائم، وتعزيز المكانة الدولية والالتزام تجاه الحكومة اللبنانية لتقويتها أمام حزب الله الضعيف حالياً، وهذا البديل قد لا يبدو "بطولياً" في الصور، لكن البديل الحالي هو واقع أسوأ بكثير سيغرق فيه الجميع.