رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في مشهد جيوسياسي شديد الاضطراب، تتكشف أمام العالم وقائع تكشف عن مخطط أمريكي محكم الأبعاد يهدف إلى إعادة رسم خارطة الطاقة العالمية واستعادة الهيمنة المطلقة للدولار. فبين اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، والحرب المفتوحة على إيران التي أشعلت المنطقة وأغلقت مضيق هرمز، ارتفعت أسعار النفط إلى مستويات قياسية تجاوزت 120 دولارًا للبرميل، هذا الارتفاع لم يأتِ مصادفة، بل هو نتيجة منطقية لاستراتيجية أمريكية متكاملة تهدف إلى تحقيق أرباح خيالية لشركات النفط العملاقة مثل إكسون موبيل وشيفرون، وإعادة ترسيخ مكانة الدولار كعملة التداول الأولى في العالم، وسط فوضى خلاقة تضرب سلاسل الإمداد وتعطل مصافي التكرير العالمية.

ففي الثالث من يناير 2026، وبعد تنفيذ القوات الأمريكية عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ورغم التبريرات الرسمية بأن العملية تأتي في إطار مكافحة الجريمة المنظمة، فإن الحقيقة الأعمق تكمن في أن واشنطن كانت تطمح للسيطرة على أكبر احتياطي نفطي في العالم، والذي تمتلكه فنزويلا بنحو 300 مليار برميل، وبعد أيام فقط من الاختطاف، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطة لإعادة إعمار قطاع النفط الفنزويلي باستثمارات تقدر بنحو 1000 مليار دولار. وفي خطوة دراماتيكية سريعة، عُينت ديلسي رودريغيز رئيسة مؤقتة لفنزويلا، وتمت الموافقة على إصلاح شامل لقانون النفط الفنزويلي في غضون أسبوعين فقط.

هذا الإصلاح القانوني قلب عقودًا من سياسات التأميم، إذ سمح للشركات الخاصة بالعمل في مشاريع النفط ومنحها الاستقلالية لتسويق الإنتاج والتصرف في العائدات خارج سيطرة شركة النفط الحكومية. وبالتزامن، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية تراخيص عامة تسمح للشركات الأمريكية بالعودة إلى فنزويلا والانخراط في عمليات النفط والغاز، في تحرك كشف عن نية واضحة "تحويل فنزويلا من دولة خاضعة لعقوبات أمريكية إلى مصدر رئيسي للنفط تحت السيطرة الأمريكية".

وفي 28 فبراير 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة عسكرية واسعة ضد إيران. فردت إيران بتهديدها بإغلاق مضيق هرمز، الممر المائي الذي يمر عبره نحو 20% من الإمدادات النفطية العالمية. ورغم عدم إغلاق المضيق فعليًا، فإن التهديد بهجمات الحرس الثوري الإيراني على الناقلات، إلى جانب إلغاء شركات التأمين البحري لتغطيتها، أدى إلى شلل في حركة الملاحة. هذا الإغلاق الفعلي دفع أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة، حيث قفز خام برنت من 71 دولارًا في فبراير إلى 94 دولارًا في 9 مارس، متجاوزًا حاجز 112 دولارًا لاحقًا.

مع تزايد الأسعار والاضطرابات الجيوسياسية، حققت شركات النفط الأمريكية أرباحًا خيالية. وفقًا لتقرير بلومبرغ، قد تحقق أرباحًا إضافية تصل إلى 630 مليار دولار خلال عام 2026 إذا استمرت الأسعار عند مستويات 100 دولار للبرميل. ووفقًا لنماذج مصرفية، فإن الزيادة في الأسعار بنسبة 47% منذ بدء الحرب ستضيف نحو 50 مليار دولار من التدفقات النقدية الإضافية لشركات النفط الأمريكية خلال شهر مارس فقط. شركة إكسون موبيل سجلت أرباحًا قياسية بلغت 19.7 مليار دولار في الربع الثالث من العام الماضي، بينما سجلت شيفرون أرباحًا بلغت 11.2 مليار دولار.

ذلك في ظل الأزمة، اتخذت الولايات المتحدة خطوة استراتيجية أخرى: إطلاق 172 مليون برميل من احتياطيها النفطي الاستراتيجي على مدى أربعة أشهر. هذا الكم الهائل من النفط خلق وفرة نسبية في السوق الأمريكي، مما جعل سعر خام غرب تكساس الوسيط (WTI) يتداول بخصم كبير مقارنة بخام برنت العالمي. هذا الخصم ليس صدفة، بل هو نتيجة مباشرة لسياسة أمريكية منظمة تهدف إلى جعل النفط الأمريكي الخيار الأكثر جاذبية في السوق العالمي، فبينما يعاني العالم من ارتفاع أسعار خام برنت بسبب تعطل الإمداد من الشرق الأوسط، يظل النفط الأمريكي متاحًا وبسعر أقل، مما يعزز الطلب عليه ويحول الولايات المتحدة إلى مصدر رئيسي للطاقة.

ويتمثل الهدف الأكثر طموحًا في هذا المخطط في استعادة الهيمنة المطلقة للدولار باعتباره عملة التداول الأولى في سوق النفط العالمية. فمنذ عام 1974، كان نظام "البترودولار" الذي أبرمته الولايات المتحدة مع السعودية يضمن حصر تداول النفط بالدولار، غير أن هذا النظام بدأ في الانهلال خلال السنوات الأخيرة، لا سيما بعد انتهاء اتفاقية التفرد مع السعودية في يونيو 2024، وانضمام المملكة إلى تحالف بريكس وقبولها الدفع بعملات أخرى كاليوان واليورو.

الجزء الأكثر تعقيدًا في المخطط هو استراتيجية "الفوضى الخلاقة". فمن خلال إشعال الحرب في الشرق الأوسط وتعطيل مضيق هرمز، تخلق الولايات المتحدة حالة من عدم اليقين الشديد في أسواق الطاقة العالمية. هذه الفوضى تؤدي إلى:

1. تعطل سلاسل الإمداد – مع تجنب الناقلات العبور عبر مضيق هرمز، تتعطل حركة النفط من الخليج العربي إلى الأسواق العالمية، مما يخلق فجوات تموينية يصعب سدها بسرعة.

2. ارتفاع تكاليف التأمين والشحن – قفزت أقساط التأمين البحري بنسبة 500%، مما جعل نقل النفط من المنطقة مكلفًا للغاية وغير جذاب اقتصاديًا.

3. إرباك المصافي – معظم مصافي التكرير العالمية مصممة لمعالجة أنواع محددة من النفط الخام. تعطل الإمداد من الشرق الأوسط وفنزويلا (اللذين ينتجان نفطًا ثقيلًا) يخلق اختناقات في القدرة التكريرية، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار المنتجات النهائية مثل البنزين والديزل.

هذه الفوضى، رغم قسوتها على الاقتصاد العالمي، تخدم المصالح الأمريكية من خلال تعزيز الاعتماد على النفط الأمريكي الذي أصبح متاحًا وسعره تنافسي.

ورغم ضخامة المخطط، هناك تحديات كبيرة تواجهه، من ضمنها التحول نحو عالم متعدد الأقطاب يتسارع. فالصين والهند وروسيا تعمل على بناء نظام مالي موازٍ لا يعتمد على الدولار. منصة mBridge، التي تسمح للبنوك المركزية بالتداول المباشر بعملاتها الرقمية دون الحاجة إلى الدولار أو نظام سويفت، تعاملت مع أكثر من 55 مليار دولار من التجارة في مارس 2026 وحده.

وهنا يطرح السؤال الأكبر: هل سينجح هذا المخطط في ظل تحول العالم نحو نظام مالي متعدد الأقطاب؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ملامح عالم الطاقة والاقتصاد لعقود قادمة. فبينما تعمل واشنطن على استعادة هيمنتها، تعمل قوى صاعدة مثل الصين وروسيا على بناء بدائل لا تعتمد على الدولار وتأسيس تحالفات إقليمية ودولية جديدة. في هذه المعركة بين القديم والجديد، يدفع العالم ثمنًا باهظًا من الفوضى وارتفاع الأسعار وتعطل سلاسل الإمداد، والنتيجة النهائية لهذا الصراع المحتدم ستعيد تشكيل النظام العالمي كما نعرفه.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء